المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب
الصديق العزيز نرجو منك الانضمام إلى أسرتنا، ننتظر تسجيلك

المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب

نحترم كافة الآراء ولا نقيدها - المقتطف المصري - دعوة لاحترام الرأي الآخر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
|||::--:Neutral|| ندعوكم مثقفي العرب ومؤرخي أمتنا إلى المساهمة في إثراء منتدى المقتطف المصري بمقالاتكم التاريخية التي بالتأكيد ستزيد من قيمة المنتدى
|||::--:Neutral|| كما ندعوكم للكتابة في مجلة المقتطف المصري الإليكترونية ملتقى شباب المؤرخين العرب
|||::--:Neutral|| تحيات إدارة المقتطف المصري بقضاء وقت ممتع على صفحات منتدانا ويسعدنا استقبال مقترحاتك

شاطر | 
 

 الفيودالية و النظام الفيودالي في غرب أوربا (الفصل الثاني من القسم الأول)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
يوسف نكادي




مُساهمةموضوع: الفيودالية و النظام الفيودالي في غرب أوربا (الفصل الثاني من القسم الأول)   السبت 23 أكتوبر 2010, 9:28 pm

الفصل الثاني : من علاقات الرفاقة إلى علاقات الفصالة



تميزت الممالك الجرمانية بكونها لم تكن دول مؤسسات قوية ومتطورة كما كان الأمر خلال سيادة الإمبراطورية الرومانية. لأن السلطة فيها ظلت منذ عهد الملوك الأوائل، و على امتداد حوالي ثلاثة قرون، تختزل في شخص الملك الذي كان قائد حرب في المقام الأول. يعتبر، طبقا لتقليد جرى العمل به منذ عهود قديمة، الكيان الذي يخضع لسلطته بمثابة غنيمة تمت حيازتها بعد النصر. يتصرف فيها كيفما شاء، ثم يقسمها على أبنائه قبيل وفاته. و لذلك فان " الرجالات " الذين كانوا يساعدون الملك في إدارة و تدبير " الغنيمة " كانوا بمثابة خدام أكثر من كونهم موظفي دولة. لم يتعد فعلهم و تأثيرهم حدود دائرة ضيقة. و من ثم، ظلت الأقاليم البعيدة عن القصر، الذي يمثل المركز،بمنأى عن تأثير الملك و خدامه. وهذا ما يؤكده روبيرفوصيي( Robert Fossier ) حين يذكر بأن عدم فعالية المؤسسات و الأجهزة في مملكة الفرنجة بغالة، كما في مملكة القوط الغربيين باسبانيا أو في مملكة اللومبارديين بايطاليا دفع بعض كبار الملاكين العقاريين، بمن فيهم كبار رجال الدين، إلى الاستعانة بعدد من فرق العبيد الذين كانوا في ملكيتهم و بمجموعات من الشباب. إذ كانوا يسهرون على إيوائهم و إعالتهم و تزويدهم بالسلاح نظير القيام بحراسة ممتلكاتهم . و قد كانت مهام هؤلاء المسلحين تتجاوز حدود الحراسة إلى المشاركة في أي اشتباك قد يقع بين المالك العقاري الأرستقراطي و أحد جيرانه. و كذلك اﻹنخراط ، تحت إمرة سيدهم، في الحروب الدفاعية أو الهجومية التي تخوضها المملكة. و يكتسي هذا المعطى أهمية كبرى نظرا لما سيترتب عنه مستقبلا من نتائج فيما يخص علاقة " الدولة " بظاهرة الفيودالية، لذلك سنتوقف عنده قليلا.
فقد كانت الحروب من الثوابت التي رافقت تاريخ الممالك الجرمانية منذ مراحل تأسيسها. حتى إن إحدى الباحثات ذهبت إلى القول بأن فترات السلم خلال مرحلة سيادة الممالك الجرمانية كانت بمثابة الفاصل بين مشهدين في عرض مسرحي. و مع ذلك، فان ذلك الفاصل لم يكن مرغوبا فيه. و يبدو أن هذا القول ينطبق أيضا على الفترات التاريخية التي تلت مرحلة سيادة الممالك الجرمانية حسب خلاصة انتهت إليها باحثة أخرى. و دون استعراض كرونولوجية الحروب التي خاضتها هاته المملكة أو تلك، يمكن التمييز فيها بين ثلاثة أشكال : حروب توسعية، و حروب دفاعية، و حروب ناتجة عن نزاع بين أفراد إحدى الأسر المالكة أو بين الأسرة الحاكمة في مملكة من الممالك و بعض العناصر المتمردة على السلطة. باﻹضافة إلى شكل آخر أشرنا إليه سابقا، و إن لم يكن يعني القائمين على الأمرمباشرة، تمثل في الحروب الخاصة (les guerres privées ) بين بعض الأسر الأرستقراطية داخل المملكة الواحدة. و في جميع الأحوال كانت وقائع تلك الحروب كثيرة. و كانت تتطلب التوفر على موارد بشرية هائلة و متجددة باستمرار؛ و هو الأمر الذي لم يكن من السهولة بمكان لاعتبارات ديموغرافية و اقتصادية . و من ثمة، تتضح صحة ما ذهب إليه مارك بلوك منذ ثلاثينيات القرن الماضي حين أكد بأن التحدي الأكبرالذي كان على القائمين على الأمر رفعه لم يكن متصلا بمسألة تدبير شأن ممالكهم أوقات السلم، بقدر ما كان يتمثل في كيفية الحصول على العناصر البشرية اللازمة لخوض الحروب . لذلك كانوا يستنفرون عند كل وقعة كل الذكور الأحرار القادرين على حمل السلاح. كما كانوا يستعينون بخدمات أفراد الأرستقراطية الذين كانوا يعززون " جيوش الملوك " بما كان تحت إمرتهم من عناصر مسلحة. و سيزداد الأمر حدة في الممالك التي أصبحت محاذية لمراكز الوجود الإسلامي في أوربا بعد أن نجح المسلمون في فتح الأندلس سنة 711 و شرعوا في عبور جبال البرانس. و أهم الممالك التي نعنيها في هذا المقام مملكة غاليا ( أو غالة ) التي كان يحكمها شارل محافظ قصر أوسترازيا إبان فترة أوج الفتوحات الإسلامية في أوربا بعد سنة 711. فقد شرع في استنفار جميع من له قدرة على حمل السلاح. بل فكر جديا في استحداث فرق من المحاربين تمتطي صهوات الخيول بعد أن كان معظم محاربي المملكة من المشاة ؛ في حين كان المسلمون يعتمدون غي حروبهم على الفرسان إلى جانب المشاة. وفي هذا الصدد، يفيدنا أحد إخباريي القرن الثامن ، بأن شارل نجح بعد سنة 716 في تكوين فرق من الفرسان انضمت إلى صفوف خاصة محاربيه( حرسه الخاص ) الذين كانوا مرتبطين بقائدهم شارل بعلاقات تبعية و ولاء. و كان المحاربون العاملون تحت إمرة أفراد الأرستقراطية يعززون هذا الجيش؛ بالإضافة إلى كل من له قدرة على حمل السلاح. و قد حقق انتصارات كاسحة في جميع الوقائع التي خاضها ضد السكسونيين( les Saxons ) و الألمن ( les Alamans ) و الفريزيين ( les Frisons ). و تمكن من إيقاف المد الإسلامي في وقعة بواتيي ( Poitiers ) ( بلاط الشهداء ) سنة 732. ثم اتجه نحو الجنوب حيث استرد أقاليم أكيتانيا و بورغونديا و بروﭬانسيا. و استكمل بذلك وحدة غالة.
و أهم ما في الأمر،هو أن القائمين على الأمر في غالة بدوا ، منذ عهد شارل مارتل، أكثر اقتناعا من أي وقت مضى بمدى ثقل الأرستقراطية على المستويين العسكري و السياسي ، فارتأوا الاستمرار في تسخيرها لتحقيق مشاريعهم. و لذلك أخذوا يغضون الطرف عن إجراءات أفراد الأرستقراطية الذين ظلوا يدينون بالولاء للقائمين على الأمر و لممثليهم في مختلف القومطيات؛ و لكنهم لم ينفكوا في نفس الوقت يعملون على توسيع نطاق شبكة علاقات التبعية التي سبق أن أرسى قواعدها آباؤهم و أجدادهم منذ أمد بعيد. و كان من نتائج سياسة غض الطرف أن أصبحت لإجراءات أفراد الأرستقراطية شيئا فشيئا تداعيات في دائرة كل قرية تقع بها ممتلكات هذا الأرستقراطي أو ذاك. تجلت تلك التداعيات في كون عموم الفلاحين المقيمين في تلك القرى أصبحوا يخضعون أكثر للقوة التي يلمسون وقعها و ليس لتلك التي يشعرون بصداها. و هذا أمر طبيعي إذا علمنا بأن القوة اقترنت في جميع المجتمعات و منذ فجر التاريخ بالثروة. فالذي يملك
الثروة يملك القوة. فيتقرب له من هم أنداده أو الأقل منه ثروة و يذعن له المستضعفون .
و من ثم، فان تلك الإجراءات ذات الطابع الحربي،و ما استتبعها من علائق، أخذت تتبلور و تترسخ أكثر فأكثر في ربوع قرى غرب أوربا على حساب علاقات التضرع و الإذعان ( la recommandation ) التي ضاق نطاق استعمالها دون أن تختفي بصورة نهائية ، طالما أن نسبة كبيرة من أفراد مجتمع غرب أوربا كانت تعيش في حالة إملاق. و لذلك، فان عددا منهم ظلوا يضعون أنفسهم رهن إشارة متوسطي الحال و الأغنياء لخدمتهم ، أو فقط لاستجدائهم و الحصول منهم على ما يسد رمق أفراد أسرهم.
و يؤكد روبير بوتريش غلبة العلاقات ذات البعد الحربي (العسكري)، مستدركا في ذات الوقت
موقفه السابق بخصوص ثنائية أصل الفيودالية في قوله :" المحصلة النهائية هي أن الفصالة ،في معناها الحقيقي ،نشأت في أوساط المحاربين وفق مقتضيات ستتضح و ستتبلور أكثر مستقبلا. و ستفضي في ذات الوقت إلى إرساء التزامات أكثر تخصصا ستلقي بضلالها على علاقات التضرع و الإذعان" .
و يبدو أن موعد أجرأة مقتضيات الفصالة لم يتأخر كثيرا. فالملوك الجرمان الأوائل في غالة و في الممالك الأخرى كانوا يغضون الطرف عن مختلف أشكال علاقات التبعية. ولكن ملوك ما بعد العقد الثالث من القرن الثامن أصبحوا منخرطين في تفعيلها. و يعني هذا الانخراط في أعين بعض الباحثين نجاح الأرستقراطية في الهيمنة على " المؤسسة الملكية " في تلك الممالك.
و تمثل سنة 757 لحظة حاسمة في هذا الاتجاه. وقعت أحداث تلك اللحظة في غالة أكبر الممالك الجرمانية و " مهد الفيودالية ". و أورد اينهارد أو ايجنهارد ( Eginhard ) تفاصيلها في " حولياته " ضمن أحداث سنة 757 كما يلي :" كان الملك ببين (Pépin) يرأس جمعا ببلدة كومين ( Commynes ou Compiègne )]في أحد أيام تلك السنة[ فقدم تسلون ( Tassilon ) دوق (Duc) ﺑﭬاريا. و مثل بين يدي الملك و قدم له الولاء عن طريق لف اليدين. ثم وضع يده على الكتاب المقدس و أقسم اليمين بأن يصبح تابعا للملك و ابنيه السيد شارل و السيد كارلومان. و هذا ما يتوجب أن يقوم به بتفان و إخلاص كل فصل لسادته. و قام أعيان ﺑﭬاريا الذين قدموا مع تسلون بدورهم بتأدية فروض الطاعة والولاء " .
يكتسي النص من دون شك أهمية قصوى لكونه يتضمن معطيات ذات قيمة بالغة في تاريخ الفيودالية. و لذلك يستوجب إبداء الملاحظتين الآتيتين :
أولا : يسجل النص نقلة نوعية في طبيعة علاقات التبعية، و خاصة فيما يتعلق بأطرافها. فقد كانت علاقات الرفاقة تربط منذ ما قبل القرن الثالث بين مجموعة محاربين و أحد أعيان أو رؤساء القبائل الجرمانية أو أحد كبار محاربيها. و استمرت حتى سنة 476 تاريخ سقوط الإمبراطورية الرومانية كما رأينا من قبل. ثم أصبحت تربط بين أحد أفراد الشريحة العليا في الأرستقراطية العقارية و مجموعة محاربين حتى سنة 757. و سيستمر هذا النوع من الروابط وفق مقتضيات جديدة. و لكن سنة 757 تسجل بداية دخول أطراف جديدة سامية في شبكة علاقات التبعية.و نعني بهذه الأطراف الملوك و كبار رجالات الممالك من أقماط و دوقات و غيرهم. كان لكل واحد منهم أتباع. و لكن بعد هذا التاريخ أصبح بعضهم تابعا للبعض الآخر. و كلهم أتباع للملك أو لمحافظي القصور الذين أصبحوا ملوكا دون أن تتم تسميتهم كذلك.
ثانيا : يقدم النص صورة عامة عن المراسيم التي أخذت تتم فيها علاقات الفصالة، و التي ستتم فيها الروابط الفيودو- فصلية بعد ذلك. كما يتحدث عن أهم المقومات التي سيرتكز عليها هذا النوع من الروابط خلال المرحلة الثالثة من مسيرة الفيودالية. و تتمثل هذه المقومات في الولاء الذي يقدمه الفصل، و عملية وضع يديه ملفوفتين بين يدي السنيور(la dation)،وعملية أداء القسم باستعمال أشياء أو بقايا مقدسة ( les Reliques ).
و انطلاقا من هاتين الملاحظتين تبدو التطورات التي يتحدث عنها النص مفاجئة و مثيرة للدهشة. إذ لا يعقل أن تأخذ علاقات الفصالة هذا الطابع الرسمي؛ و تتم مباشرتها في هذه الأجواء بدءا من سنة 757 دون مقدمات.
و توضيحا للأمر نذكر بمعطى أوردناه في مقدمة هذا المبحث و هو أن " رجالات الدولة " في الممالك الجرمانية كانوا بمثابة خدام للملوك. عدد منهم كانوا خداما " مدنيين " يؤلفون حاشية الملك و خاصة أقربائه. و عدد آخر كانوا خداما " عسكريين ". يتشكلون من الحرس و يمثلون صفوة حملة السيف. يقيم هؤلاء الحراس بجانب الملك. يسهرون على حمايته أوقات السلم و يخوضون إلى جانبه الوقائع أيام الحرب. يتمتعون بحظوة خاصة لدى الملك. تتضح إذا علمنا بأن أحد بنود القانون السالي المنظم للعلاقات و المعاملات في مملكة غالة الميروﭬنجية كان يقضي بأن يدفع قاتل أحد هؤلاء الحراس ذعيرة يفوق مبلغها ثلاث مرات مبلغ الذعيرة التي يدفعها الجاني إذا تعلق الأمر بمقتل " مواطن "؛حتى و إن كان هذا " المواطن " إفرنجيا ( un franc ) أو أحد البرابرة ( un barbare ) .
و الجدير بالذكر أن هؤلاء الحراس، الذين كانوا صفوة حملة السيف كما ذكرنا آنفا، كانوا يمثلون أيضا نخبة خدام الملك. كانت تربطهم به علاقات تبعية تقوم على الولاء ( la fidélité) والقسم الذي يؤديه الواحد منهم بعد أن يضع يديه ملفوفتين بين يدي الملك. و يجمع عدد من الباحثين بأن هذه العلاقات، بمختلف مقوماتها و الطقوس التي كانت ترافقها، ورثها ملوك القرنين السادس و السابع عن الأجداد و الأسلاف . و نفس علاقات التبعية هاته أصبحت تربط بين الملوك و خدامهم " المدنيين " كمحافظي القصور و الأقماط و الدوقات و كبار رجال الدين و كبار الملاكين العقاريين بعد تأسيس الممالك الجرمانية. كانت تقوم هي الأخرى على الولاء و القسم، و وضع الخادم (أي التابع) يديه ملفوفتين بين يدي الملك. و الجديد في الطقوس المصاحبة لهذه العلاقات هو أن القسم أصبح يعتمد في أدائه على الكتاب المقدس الذي يضع التابع يده عليه. و قد أدرج كعنصر جديد بعد أن تبنت الممالك الجرمانية المسيحية كديانة رسمية . و سيتواصل العمل بهذه الطقوس خلال القرون الموالية. و سينضاف عنصر جديد إلى العناصر المكونة لها بعد مطلع القرن الحادي عشر و هو عملية تقديم السنيور حفنة تراب أو غصن شجرة صغير مورق للفصل دليلا على تقديم الفيف.
و نذكر بأن غياب هذا العنصر بالنسبة للباحثين الذين ينكرون وجود فيودالية قبل مطلع القرن الحادي عشر، يعني غياب الفيف كعنصرمادي في علاقات التبعية وغيابه كمصطلح في نصوص ما قبل سنة 1000. و نحن إذ نقر بدورنا بما يذهبون إليه، نؤكد في المقابل بأن الأرض كانت حاضرة في علاقات الفصالة و لو على نطاق ضيق نسبيا. كيف ذلك ؟.
لقد كانت علاقات الرفاقة تقوم على عطاء كان يقدمه السيد للرفيق كما ذكرنا فيما مضى. تمثل في المأوى و المأكل والمشرب و السلاح و الحصان. و ظل نفس العطاء يمثل محور علاقات الفصالة خلال القرنين السادس و السابع و النصف الأول من القرن الثامن. ثم حدث أن دخل القائمون على الأمر و ممثلو السلطة " المركزية " كطرف في علاقات الفصالة، فضلا عن أطرافها القدامى ككبار رجال الدين و كبار الملاكين العقاريين. فأصبح بعضهم " سنايرة " (des seigneurs) و بعضهم أفصالا. حينها لم يعد من المعقول أن يظل العطاء على حاله. بمعنى أنه كان يجب أن يرقى إلى مستوى هذه الأطراف السامية. فكيف أصبحت طبيعته ؟.
كان حريا بالإخباري الذي نقل إلينا خبر اجتماع ببين القصير سنة 757 و مقدم دوق ﺒﭬاريا إلى بلدة كومين و تقديمه لفروض التبعية و الولاء للملك أن يخبرنا عن نوعية العطاء الذي قدمه الملك السنيور لفصله الدوق، و لكنه لم يفعل. و يبدو أن ثمة ما يبرر عدم بث الإخباري في الأمر،لأن تسلون كان في غنى عن ذلك العطاء الذي يقدم لمتوسطي و بسطاء الأفصال. كما لم يكن ينتظرأن تمنح له قطعة أرض و هو الدوق الذي يتصرف في أرض شاسعة المساحة؛ و هي دوقية ﺑﭬاريا التي كان يحكمها.و ربما كان العطاء هو الدوقية نفسها التي أقر ببين تسلون على حكمها.
و على كل، فان كتب الإخباريات و الحوليات تفيدنا بأن العطاء الذي كان معروفا منذ قرون ظل معمولا به في أوساط الفئات المتوسطة و الدنيا المعنية بعلاقات الفصالة. و لكن الأمر اختلف بالنسبة لخاصة المجتمع. فقد شرع شارل مارتل قبيل سنة 732 في تقديم قطع أرض تقع ضمن ممتلكات الأسرة الحاكمة لنفر من أتباعه من كبار أفراد الأرستقراطية عرفانا بما أسدوه من عون و مساندة. كما وزع قطعا أخرى على كبار أتباعه من حملة السيف. و بما أن الوقائع كانت كثيرة، و أعداد المحاربين كانت في تزايد مستمر،لم يكن ممكنا أن يستمر في تقديم قطع أرض من ممتلكاته أو من ممتلكات المملكة، لذلك لجأ إلى مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت في حوزة الكنائس. و كان من الطبيعي أن يثير هذا الإجراء حفيظة تلك المؤسسات. و في ذلك خسارة لشارل مارتل الذي كان في حاجة إلى سندها؛ خاصة وأنه كان لازال محفظ قصر يحكم " نيابة " عن ملك يحضى بالشرعية. و استدراكا للموقف دعي إلى إيجاد مخرج للمشكلة. فعقدت ثلاث مجامع دينية بين سنتي 742 و 744. انتهت إلى الإقرار بأن الأراضي التي صودرت من الكنائس و وزعت على أفصال (محاربين أو غير محاربين) تظل في ملكية تلك المؤسسات. و لا حق للأفصال فيها إلا حق الاستغلال الذي ينتقل إلى ورثة الفصل بعد وفاة هذا الأخير. و قد يتوقف مفعول حق الاستغلال إذا ارتأى الملك ذلك. و يلتزم الأفصال المستغلون لما في أيديهم من أراضي بتقديم ضريبة محددة. نص عليها عقد كان يبرمه كل فصل مع الكنيسة مالكة الأرض. بينما كان يبرم ذات الفصل عقدا آخر مع الملك باعتباره السنيور المانح لحق الاستغلال. و منذ هذا التاريخ وحتى مطلع القرن الحادي عشر بدأت ترتسم في الأفق معالم علاقات الفصالة المتمحورة حول قطعة أرض كعطاء يعرف في النصوص باسم " بنفسيوم " (beneficium) . و تترك نفس النصوص الانطباع بأن مجال استعمال هذا النوع من العطاء أخذ يتسع على حساب العطاء الذي كان معمولا به منذ ما قبل القرن الثالث للميلاد ( أي المأوى و المأكل و ما شاكل ذلك ). كما أن أعداد المعنيين بالعطاء " القديم " ظلت في تراجع رغم عدم وجود معطيات رقمية تثبت ذلك.
و يمثل عهد شارلمان (687 – 814) فترة حاسمة في اتساع نطاق استعمال قطع الأرض كعطاء في علاقات الفصالة. و قد استمر هذا الاتساع حتى نهاية حكم الأسرة الكارولنجية حسب الخلاصة التي انتهى إليها فردناند لوط ( Ferdinand Lot ) منذ عدة عقود . و قد كان محقا في ذلك. على اعتبار أن شارلمان خاض حروبا كثيرة في اسبانيا وايطاليا و جرمانيا أفضت إلى الحصول على مساحات شاسعة من الأرض. وزع قطعا كثيرة منها على عدد من أفراد الأرستقراطية الذين ارتبطوا به بعلاقات تبعية و ولاء. ولكنه حرص على ألا يكون لهم عليها سوى حق الانتفاع ،لكي يحرص كل مستفيد على التشبث بالولاء و يضع في حسبانه بأن قطعة الأرض قد تنتزع منه إذا لم يف بالتزاماته العسكرية المتمثلة في استنفار ما تحت إمرته من محاربين عند الضرورة. و على كل ، فقد أصبحت الأرض حجر الزاوية في علاقة الملوك الكارولنجيين بأفراد الأرستقراطية. و هذا ما يفهم من كلام الباحثان جون- بيير بولي(Jean- Pierre Poly) و اريك بورنزيل ( Eric Bournazel ) اللذان تناولا المسألة منذ بضع سنوات وأكدا بأن البنفسيوم غدا عنصرا أساسيا في علاقات الفصالة منذ منتصف القرن التاسع . و نعتقد من جانبنا بأن هذا التطور ينسجم مع مسارعلاقات الفصالة التي اتخذت منذعهد شارلمان طابعا رسميا. و أصبحت إحدى الأدوات المعتمدة في الحكم و التسيير.
و يبدو هذا التطور في علاقة الدولة بالفصالة غريبا إذا علمنا بأن شارلمان قام بعدة إصلاحات في مجال الإدارة و القضاء و نظام الحكم بهدف إرساء دعائم " دولة مركزية " ذات مؤسسات يخضع لسلطانها جميع سكان المملكة - الإمبراطورية. و كان من المفترض أن تفضي تلك الإصلاحات إلى تقليص مساحة شبكة علاقات التبعية و الحد من سطوة أفراد الأرستقراطية؛ خاصة وأن شارلمان قرر الإشراف شخصيا على تعيين الأقماط و الدوقات و كبار رجال الدين على رأس مختلف القمطيات. و حرص على أن يكونوا هم المسؤولين المباشرين على إقرار الأمن و على جباية الضرائب وهم المشرفين على أمور القضاء. و زاد بأن دعم هذا الإجراء بإقرار مبدإ الرقابة المستمرة بواسطة المبعوثين الملكيين ( les missi dominici )؛ الذين كانوا يتجولون عبر مختلف القمطيات و يرفعون له تقارير عن سير الأقماط و المؤسسات الدينية و عن سلوك أفراد الأرستقراطية. غيران هذه الإجراءات لم تحدث القطيعة المنتظرة مع علاقات الفصالة، لأن شارلمان كان يراعي في اختيارالأقماط و الدوقات و كبار رجال الدين أن يكونوا من أشد المخلصين للأسرة المالكة. تربطهم بشخص الملك علاقات تبعية و ولاء ، أي علاقات فصالة. على أن يغدوا في المقاطعات التي يشرفون على إدارتها " سنايرة " (des seigneurs ) يرتبط بهم بعلاقات فصالة مختلف رجال الدين و كبار الملاكين العقاريين. بينما تترك لعموم فلاحي المقاطعات و " المواطنين " الأحرار حرية اختيارالسنايرة الذين يرغبون في الارتباط بهم بعلاقات فصالة.
و بناء عليه يتضح بأن الإصلاحات التي قام بها شارلمان في مجال نظام الحكم و إدارة القمطيات لم تكن تهدف استئصال علاقات الفصالة بقدر ما كانت تروم " ترويضها " أو بعبارة أصح تقنينها . لأن عملية استئصالها كانت صعبة ،حتى لا نقول مستحيلة، لاعتبارات يمكن إيجاز أهمها فيما يلي :
أولا : رسوخ علاقات الفصالة في المجتمع عامة، وفي أوساط الطبقة الأرستقراطية التي تبنتها كتقليد منذ قرون. و لم يكن بإمكان شارلمان المضي قدما في إصلاحاته الإدارية بإلغاء هذا التقليد. و من ثم التنكر لأفراد الأرستقراطية الدين أسدوا خدمات جلة لآبائه و أجداده أوصلتهم إلى دفة الحكم على حساب ملوك الأسرة الميروﭬنجية.
ثانيا : افتقار الدولة إلى أطر كافية و محترفة لتدبير شؤونها في وقت أصبحت فيه مترامية الأطراف بعد الحروب التوسعية. و بالتالي، فان الضرورة كانت تقتضي الاستمرار في الاعتماد على أفراد الأرستقراطية في تدبير مختلف القمطيات من خلال علاقات الفصالة التي أرسوا دعائمها والتي مكنتهم من القيادة و التسيير.
ثالثا : محدودية الموارد المالية الضرورية لتغطية النفقات التي تتطلبها مهام الحكم و التدبير و دفع مرتبات " موظفي " الدولة من رجال الدين و العلمانيين رغم الإصلاحات الاقتصادية و المالية التي قام بها شارلمان. و بالتالي ،كان لابد من استعمال الأرض كوحدة نقدية لتغطية النفقات الإدارية و العسكرية. و بما أن الحروب التي خاضها شارلمان و فرت مساحات شاسعة من الأرض، فقد أغنت عن المضي قدما في البحث عن مصادر السيولة النقدية. كما أن تلك الوفرة شجعت على المنح المطلق أحيانا و على المنح المشروط بحق الاستغلال في أحايين كثيرة. و كان من تبعات ذلك أن استغل عدد من أفراد الأرستقراطية وفاة شارلمان فسيطروا على قطع الأرض التي منح لهم حق استغلالها. كما أن خلفاؤه حادوا عن السياسة التي انتهجها في هذا المضمار و التي كان يتبعها فيما مضى محافظو القصر. و ذلك حين قرروا بأن تصبح ملكية الفصل على قطعة الأرض التي منحت له كعطاء ( beneficium )، ملكية تامة مطلقة نظير استمراره على الولاء سواء كان سيده، أي " سنيوره " أحد الخواص أو سيده الملك شخصيا.
و انطلاقا مما تقدم، نخلص إلى القول بأن علاقات الفصالة التي نشأت في الممالك الجرمانية زمن ضعف السلطات المركزية، كان من المفترض أن تتراجع في مرحلة بدأت تترسخ فيها نسبيا أسس الدولة المركزية. غير أن هذا التطور لم يحصل. بل على العكس من ذلك تماما اكتست تلك العلاقات مشروعية و ارتقت إلى مصاف القوانين المنظمة للعلاقات و المعاملات. و هذا ما حدث بالذات في غالة التي غدت في عهد شارلمان إمبراطورية مترامية الأطراف. شمل نفوذها معظم أقاليم غرب أوربا. و ستشكل الاضطرابات الداخلية التي شهدها هذا الكيان بعد وفاته بالإضافة إلى عوامل خارجية المناخ الأمثل لكي تنطلق تلك العلاقات نحو آفاق أرحب سنتوقف عند تجلياتها في الفصل الموالي .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الفيودالية و النظام الفيودالي في غرب أوربا (الفصل الثاني من القسم الأول)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب :: منتديات التاريخ الإسلامي والوسيط :: منتدى التاريخ البيزنطي-
انتقل الى: