المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب
الصديق العزيز نرجو منك الانضمام إلى أسرتنا، ننتظر تسجيلك

المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب

نحترم كافة الآراء ولا نقيدها - المقتطف المصري - دعوة لاحترام الرأي الآخر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
|||::--:Neutral|| ندعوكم مثقفي العرب ومؤرخي أمتنا إلى المساهمة في إثراء منتدى المقتطف المصري بمقالاتكم التاريخية التي بالتأكيد ستزيد من قيمة المنتدى
|||::--:Neutral|| كما ندعوكم للكتابة في مجلة المقتطف المصري الإليكترونية ملتقى شباب المؤرخين العرب
|||::--:Neutral|| تحيات إدارة المقتطف المصري بقضاء وقت ممتع على صفحات منتدانا ويسعدنا استقبال مقترحاتك

شاطر | 
 

 الفيودالية و النظام الفيودالي في غرب أوربا (الفصل الثالث من القسم الأول)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
يوسف نكادي




مُساهمةموضوع: الفيودالية و النظام الفيودالي في غرب أوربا (الفصل الثالث من القسم الأول)   السبت 30 أكتوبر 2010, 12:34 pm

الفصل الثالث : الروابط الفيودو- فصلية



هيا انهيار الامبراطورية الكارولنجية و ماتلاه من اضطرابات داخلية وغارات خارجية المناخ الملائم لاتساع مجال انتشار علاقات الفصالة في غالة و في مجموع أقاليم غرب أوربا. والحقيقة أن تلك العلاقات لم تتوقف أبدا عن الانتشار منذ عهد محافظي القصور كما أوضحنا ذلك فيما مضى. وكان من الممكن أن يأخذ انتشارها منحى تصاعديا منذ عهد شارل مارتل، غير أن شارلمان نجح في التخفيف من إيقاع مسيرتها حين عمل على تقنينها. و بذلك وفق أيضا في كبح جماح أفراد الطبقة الأرستقراطية و وضعهم تحت السيطرة و لو إلى حين. وبعد وفاته افتقدت غالة، و الغرب الأوربي عموما، حاكما في مثل حنكته و قوة شخصيته. فخلى الجو لأفراد الأرستقراطية الذين عادوا مجددا لتفعيل علاقات الفصالة التي أصبحت منذ هذا الوقت متحورة حول الفيف أكثر من أي وقت مضى. كما اجتهدوا في بسط سلطانهم على عموم الفلاحين. وشرعوا في إرساء الآليات و الوسائل الكفيلة بتحقيق مكاسب معنوية و مادية من وراء ذلك السلطان. و قد استفادوا لتحقيق مبتغاهم من الاضطرابات و الفوضى السياسية. و مع ذلك فيجب التنبيه في هذا المقام، بأن أفراد الأرستقراطية من كبار الملاكين العقاريين و كبار رجال الدين لم يستغلوا تلك الأوضاع للإسراع بإعلان تمردهم أو للتحلل من سلطة القائمين على الأمر في الممالك التي قامت في غالة ، وفي أقاليم غرب أوربا الأخرى ، بعد انهيار الإمبراطورية الكارولنجية. فقد استمروا، حتى العقد الأخير من القرن العاشر، يدينون بالولاء للملوك مباشرة أو للأقماط الذين يمثلونهم في القمطيات. و تجلى ذلك في كونهم ظلوا يؤدون فروض الطاعة للملوك مباشرة، و يحضرون أشغال " الاجتماع الملكي " ( le plaid royal ). و هو واحد من بين اجتماعين سنويين كان يرأسهما الملك. كما ظلوا يؤدون يمين الولاء للأقماط. بعضهم يقومون بذلك بوصفهم أفصالا لهؤلاء الأقماط وبعضهم الآخر يقومون بذلك بوصفهم " مواطنين " خاضعين لسلطة الأقماط. و بما أنهم من علية القوم، فقد كان يتوجب عليهم القيام عمليا بأداء الولاء، و حضور الاجتماعات الدورية التي يدعو إليها القمط ( les plaids comtaux ). و عند تعيين قمط جديد على رأس القمطية، كان كبار الملاكين العقاريين و كبار رجال الدين يقومون بتقديم ولائهم للقمط الذي تم تعيينه. و إذا تعذر على أحدهم القيام بذلك لأسباب قاهرة كان ينيب عنه من يقوم بالعملية. و كأنهم بذلك يقدمون فروض الطاعة و الولاء للملك شخصيا. و هذا التقليد ظل يجري به العمل منذ عهد شارلمان . و لكن بعد مطلع القرن الحادي عشر بدأت تظهر معالم الاتجاه نحو مرحلة جديدة في مسار تطور الفيودالية.
نشترك مع عموم الباحثين في القول بأن هذه المرحلة تميزت بكون الفيف أصبح خلالها يمثل حجر الزاوية في العلاقات بين أفراد الأرستقراطية. و لكننا نختلف معهم حين نذهب إلى اعتبارها مرحلة ثالثة اكتمل خلالها نضج الفيودالية كما أشرنا إلى ذلك في مقدمة هذا القسم. في حين، يذهب الباحثون إلى اعتبار هذه المرحلة مرحلة أولى و وحيدة نشأت خلالها الروابط الفيودو – فصلية، و خلالها أيضا تبلورت تلك الروابط. و ينكرون اعتبار علاقات الفصالة مقدمة لهذه الروابط.
و مهما يكن من أمر، فقد قام الباحثون منذ عقود برصد مسيرة هذه الروابط و باستعراض السياق الذي " نشأت " و تطورت فيه. بعضهم اختار الغرب الأوربى ككل مجالا جغرافيا لتناولها، و بعضهم اختار أحد أقطاره الحالية كإطار جغرافي للقيام بذلك ، بينما ارتأى البعض الآخر تناولها في حيز جغرافي أضيق. و بما أننا نتفق معهم، على الأقل في كون فترة ما بعد ستة 1000 تمثل مرحلة تبلور الروابط الفيودو – فصلية، فقد ارتأينا في هذا الفصل اعتماد بعض المنغرافيات الإقليمية للقيام باستعراض أبرز مظاهر هذا التبلور كما حدثت في قمطيتين تنتميان لغالة الموسومة بكونها " الموطن الأصلي " للفيودالية هما قمطية ماكوني ( le Mâconnais) و قمطية بروﭬانسيا ( la Provence ) ؛ وفي إقليمين بعيدين عن غالة هما إقليم اللاسيوم (le Latium) أحد أقاليم ايطاليا، و إقليم قطلونيا ( la Catalogne ) الواقع في شبه جزيرة ايبيريا.

شكلت قمطية ماكوني مجالا جغرافيا لأطروحة أصدرها جورج دوبي ( Georges Duby ) سنة 1953. و قد أنجز هذه الأطروحة بين نهاية الأربعينيات و مطلع الخمسينيات من القرن العشرين؛ خلال مرحلة خاصة من مسيرة البحث التاريخي في فرنسا. تميزت بكون الرؤية الضيقة التي تختزل الفيودالية في الفصالة و الفيف و المؤسسات المتصلة بهما كانت هي السائدة في أوساط الباحثين في التاريخ الأوربي الوسيط و كذلك في أوساط المهتمين بالقانون و تاريخ المؤسسات . بينما كانت الرؤية الواسعة التي تبناها مارك بلوك ( Marc Bloch ) ، و التي ترى الفيودالية إحدى التجليات التي اتخذتها البنيات الاجتماعية في تطورها خلال العصر الوسيط ، لا زالت تبحث لها عن موطئ قدم. و لذلك، جاءت أطروحة دوبي مثقلة بإرث الماضي و مستشرفة في ذات الوقت النقلة التي ستحدث بعد تزايد تلامذة بلوك. و هذا ما يتضح من عنوانها و كذلك من مضمونها. فقد تضمن عنوانها كلمة " مجتمع " على شاكلة عنوان كتاب مارك بلوك. أما مضمونها فتضمن فصولا مطولة خصصها الباحث للفصالة والفيف. و أخرى خصصها لرصد التحولات التي شهدها مجتمع الماكوني خلال القرنين الحادي عشر و الثاني عشر. سعى فيها جاهدا إلى إقناع القارئ بأن الفصالة و الفيف كانا مجرد واجهتين لمؤسسات نشأت و تطورت في سياق تلك التحولات الاجتماعية. و رغم الجهد المبذول، لم يستطع جورج دوبي التحرر من نظرة المؤرخين القدامى للفيودالية حين يرون بأنها تمثل الحصيلة المنطقية لانفراط وحدة الإمبراطورية الكارولنجية. إذ يذهب على غرارهم إلى الاعتقاد بأن تدهور مؤسسة القمطية في إقليم الماكوني أفضى إلى تشكل شبكة من الروابط الفيودو – فصلية انخرط فيها أفراد الأرستقراطية في هذا الإقليم.
أولا : تدهور مؤسسة القمطية
يفيدنا جورج دوبي بأن إقليم الماكوني كان منتظما في إطار قمطية نشأت منذ العهد الكارولنجي في سياق عملية إعادة تنظيم " الإدارة الترابية ". و قد حصل فتور في علاقة هذه القمطية بالمؤسسة الملكية منذ شهر غشت من العام 843، تاريخ توقيع معاهدة ﭬردان ( Verdun ) التي تم بموجبها تقسيم الإمبراطورية الكارولنجية بين الإخوة الثلاث أبناء الملك لويس التقي ( Louis le Pieux ). و تحول هذا الفتور إلى نوع من القطيعة منذ سنة 951 .فقد زار الملك لويس الرابع قمطية ماكوني خلال هذه السنة. و بعد هذا التاريخ لم تطأها أقدام ملك حتى حوالي سنة 1166 . و رغم هذه التطورات، فان مؤسسة القمطية و المؤسسات العمومية المتصلة بها ظلت منذ سنة 951 وحتى حدود سنة 980 أو 982 تمارس دورها في إقرار الأمن و جباية الضرائب و الإشراف على أمور القضاء والسهر على ممارسة الشعائر الدينية في ربوع قمطية الماكوني. و لذلك فان عموم الفلاحين و غيرهم من الأفراد الأحرار ظلوا يثقون في تلك المؤسسات. و لم يعودوا يبحثون عن الأمان و الاطمئنان في علاقات القرابة أو في صيغ أخرى مماثلة لها. أما أفراد الأرستقراطية اللائكية، فقد استمروا من جانبهم في احترام مؤسسات القمطية. و لم يكونوا يترددون في مد يد العون للقمط و للمؤسسات الدينية في الحالات العادية، كما في الظروف الاستثنائية. غير أن مستجدات شهدتها القمطية أخذت تأثر سلبا في علاقة أفراد الأرستقراطية اللائكية و الدينية بالقمط .
فابتداء من سنة 982 تولى إدارة القمطية أوت ﯖيوم ( Otte Guillaume ) الذي أمضى السنوات الأولى من فترة ولايته في سلسلة حروب توسعية ضد جيرانه. استنزفت موارد القمطية واضطر لإنهائها دون تحقيق طائل ليتفرغ لإقرار السلم الاجتماعي في ربوع القمطية على اثر موجة العنف التي أخذت تجتاحها.
لم يخف أفراد الأرستقراطية تذمرهم من سياسة أوت ﯖيوم ،و لكن المصالح المشتركة اقتضت أن يلتفوا حوله لمواجهة هذه المستجدات الداخلية. و يفيدنا جورج دوبي بأن عملية التصدي لأعمال العنف التي أخذت تقوم بها مجموعات من الفرسان و التي واكبتها حركات احتجاج في أوساط الفلاحين شكلت في حقيقة الأمر سلاحا ذو حدين: فقد أبانت عن تظافر جهود القمط و أفراد الأرستقراطية و رجال الدين في تدبير الشأن العام. كما أبانت عن حرص جميع الأطراف على سلامة المؤسسات و استمرارية دورها. و لكنها دلت في نفس الوقت على أن مؤسسة القمطية لم تكن قادرة لوحدها على مواجهة أعمال العنف أو التصدي لحركات الاحتجاج. و بما أن تلك الأعمال و الحركات اتخذت في بادئ الأمر مسحة دينية، فقد تزعمت المؤسسات الدينية عملية مجابهتها. فأمدها ذلك بشحنة معنوية و جعل كبار رجال الدين ينفردون باتخاذ بعض القرارات دون العودة إلى القمط ؛ من قبيل عقد الاجتماعات دون سابق إعلان للبث في آليات التصدي لتلك الحركات. فكان هذا الإجراء لوحده يمثل مؤشرا على تزايد تنامي سلطة كبار رجال الدين و تراجع هيبة القمط أوت ﯕيوم الذي أخذ يتخلى عنه كبار أفراد الأرستقراطية اللائكية بدورهم. و هذا ما تأكد لاحقا بعد سنة 1000 حيث أخذ عدد الحاضرين لاجتماعات القمط يتراجع بشكل مستمر. و إذا صدقنا جورج دوبي ،فان اجتماعا دعا لانعقاده أوت ﯕيوم سنة 1005 لم يحضره سوى أفصال القمط و نفر من كبار رجال الدين و أعيان الأرستقراطية اللائكية. أما اجتماع سنة 1010 فلم يحضره سوى أفصال القمط و أسقف القمطية مرفوقا بأحد مساعديه . و بعد هذا التاريخ أخذت تلك الاجتماعات تكتسي طابعا عائليا. حيث لم يعد يحضرها سوى أقرب المقربين من القمط و أفراد عائلته و أشخاص آخرين تربطهم به صلات قرابة.
و معنى ذلك أن أفراد الأرستقراطية، من كبار الملاكين العقاريين اللائكيين و كبار رجال الدين تحللوا من سلطة القمط و قطعوا صلاتهم بمؤسسات القمطية. و أضحوا سادة أنفسهم و سادة سكان القمطية الذين أصبحوا خاضعين لنفوذهم في إطارما نصطلح على تسميته " بالسنيورية الإلزامية " ( la seigneurie banale ). كما شيدوا القصور التي اتخذوها مراكز لممارسة السيادة. و شكلوا، لتفعيل تلك السيادة أجهزة و مؤسسات تابعة لهم. تقوم بإقرار الأمن و جباية الضرائب و تشرف على أمورالقضاء. و بموازاة ذلك ارتبطوا فيما بينهم بعلاقات فصالة متمحورة حول الفيف.
ثانيا ; تشكل الروابط الفيودو – فصلية
يعود جورج دوبي في معرض حديثه عن الروابط الفيودو – فصلية ليقنع القارئ ضمنيا بأن انخراط أفراد الأرستقراطية الماكونية في هذه الروابط يمثل النتيجة المنطقية التي آل إليها تدهور مؤسسة القمطية. و يفيدنا في هذا الصدد بأن النصوص التي اعتمدها توضح بأن الصلة بين الفيف و الولاء ( l’hommage ) أصبحت وثيقة في الماكوني ابتداء من سنة 1030. حيث غدت كل عملية تقديم فيف تستوجب من المستفيد منه تقديم الولاء و أداء القسم. و تبعا لذلك خصص صفحات مطولة لرصد مسيرة الفيف و للحديث عن الولاء و عن الطقوس التي كانت تتم فيها عملية تقديم الفيف وعملية أداء الولاء. و أهم الملاحظات التي يمكن استخلاصها من تلك الصفحات هي كما بلي :
أولا : لم تكن العلاقات بين جميع أفراد الأرستقراطية في إقليم الماكوني قائمة على الفيف.فقد مثل حجر الزاوية في العلاقات القائمة بين أفراد الشريحة السفلى و أفراد الشريحة المتوسطة في الطبقة الأرستقراطية، و كذلك بين أفراد هذه الشريحة و أفراد الشريحة العليا، أما بين أفراد الشريحة العليا فقامت روابط " فيودو – فصلية " غير مستندة على الفيف.و قليلا ما كان أحد أفراد هذه الشريحة يقدم فيفا لفرد آخر. لأن أفراد هذه الشريحة كانوا ينحدرون كلهم من أسر نبيلة و عريقة مالكة لأراضي مترامية الأطراف، و لأن الأمر يتعلق هنا بشخصين متساويين في المقام و القوة. و من ثم، لم يكن من اللائق أن يسلم أحدهم فيفا للآخر، لأن عملية تسليم الفيف تحيل إلى نوع من الدونية. كما تجعل المستفيد من الفيف في وضعية تبعية و خضوع للشخص مانح الفيف.
ثانيا : اتخذت عملية تقديم الولاء ( l’hommage ) في قمطية ماكوني شكلا عموديا و آخر أفقيا. فقد كان بإمكان الشخص الواحد المنتمي للشريحة السفلى أو للشريحة المتوسطة في الأرستقراطية أن يتسلم فيفين من مانحين. فيغدو بذلك فصلا " لسنيورين ". وغالبا ما كانت تتكرر مثل هذه الحالات في أوساط حملة السيف الذين كان الطلب عليهم قويا، لذلك كان " السنايرة " يتنافسون في استقطابهم بمنح الأفياف و التخفيف من أعباء الخدمات و الالتزامات. بينما لم يكونوا هم أيضا يترددون في الاستجابة لتلك الإغراءات. فكان الواحد منهم يضع مهاراته القتالية رهن إشارة أكثر من سنيور لزيادة رصيده من الأفياف. غير أن تعدد مثل هذه الروابط كان يطرح أحيانا بعض المشاكل، حين يقع سوء تفاهم بين سنيورين. فيجد الفارس المرتبط بهما بعلاقة فصالة نفسه في وضعية حرجة.
و مهما يكن من أمر فالمحصلة النهائية التي يخرج بها قارئ أطروحة جورج دوبي هي أن قمطية الماكوني وقعت في شراك الفيودالية بعد تدهور مؤسسة القمطية و نهاية دورها في رعاية شؤون أفراد المجتمع. فغدت بذلك إحدى المجالات الجغرافية الممثلة لهذه الظاهرة في ربوع غالة. و من ثمة، فان قصة العلاقة بين قمطية الماكوني و الفيودالية تلخص إلى حد بعيد قصة غالة مع هذه الظاهرة تبعا للانطباع الذي تتركه الأطروحة. ففي الماكوني كما في مجموع تراب غالة بدأت تلك القصة عندما تدهورت المؤسسات السياسية، و حدث فراغ سياسي أفضى إلى تجزئة متقدمة للسلطة التي أصبح يمارسها كل من استطاع إلى ذلك سبيلا.فانتفت المؤسسات. وانتفت معها أية صلة تربط الفرد بالدولة. فماذا يمكن أن يقال عن صلة قمطية بروﭬانسيا بالفيودالية ؟

شكل إقليم بروﭬانسيا مجالا جغرافيا لأطروحة أنجزها جون بيير بولي (Jean-Pierre Poly) الباحث الذي يزاوج بين المقاربة التاريخية و المقاربة القانونية في تناول قضايا العصر الوسيط في أوربا.
و تندرج هذه الأطروحة و الأطروحتان اللتان سيأتي الحديث عنهما بعد حين ضمن مشروع علمي طموح انبرى للقيام به ثلة من الباحثين منذ سبعينيات القرن الماضي. سعى لدحض فكرة كانت رائجة في أوساط الباحثين في تاريخ العصر الأوربي الوسيط خلال خمسينيات و ستينيات القرن المذكور. مفادها أن موطن الفيودالية هو الأقاليم الممتدة بين نهري اللوار و الراين التي شكلت قلب الإمبراطورية الكارولنجية. أما أقاليم جنوب غالة، و معها أقاليم جنوب أوربا، فلم تشهد ظاهرة الفيودالية. و إذ قدر لبعض تلك الأقاليم أن تشهد بعض تجليات الظاهرة، فقد كانت تجليات دخيلة على نظمها و بنياتها.
و قد عبر جون بيير بولي عن مقاصد أطروحته منذ الصفحات الأولى من خلال السؤال المحوري الآتي : هل ينطبق المخطط الخاص بالفيودالية، الذي صاغه مؤرخو مرحلة ما بعد الحرب الكونية الثانية انطلاقا من نصوص تنتمي للأقاليم المعروفة بمهد الفيودالية ،على إقليم بروﭬانسيا خاصة، و أقاليم جنوب غالة عامة؟
و قد اقتضى الجواب عن هذا السؤال من قبل الباحث اعتماد ما ينيف عن ألفي نص من النصوص المعروفة " بالمواثيق " ( les chartes ). بالإضافة إلى ترسانة أخرى من المصنفات؛ ككتب التاريخ العام و الحوليات و سجلات الأديرة و النصوص الهاجيوغرافية التي تعرض لسير و كرامات القديسين و القديسات و غيرها من النصوص.
خلص جون بيير بولي بعد استقرائها إلى خلاصة مفادها أن قمطية بروﭬانسيا انخرطت هي الأخرى في ظاهرة الفيودالية " من أبوابها الواسعة ". و أن مقومات الظاهرة في هذا المجال الجغرافي لم تقل نضجا و تكاملا عن مثيلاتها في وسط أو شمال غالة.
و يفيدنا على غرار جورج دوبي بان الفيودالية اتبعت في نشأتها و تطورها بقمطية بروﭬانسيا مسارين متوازيين : واحد ذو طابع سياسي تمثل في نهاية دور المؤسسات العمومية. و الثاني ذو صبغة عقارية تمثل في تشكل شبكة من العلاقات تمحورت حول الفيف. و لكن لحظة انطلاق المسار الأول كانت أسبق من لحظة انطلاق المسار الثاني. حيث انطلق المسار السياسي بين سنتي 1000 و 1040. و لم ينطلق المسار العقاري إلا بعد مطلع القرن الثاني عشر.
و بناء عليه ، ففي إقليم بروﭬانسيا كما في إقليم الماكوني شكلت مؤسسة القمطية أم المؤسسات. كانت تباشر بواسطة أجهزتها الاقتصادية و القانونية و القضائية تدبير الشأن العام. و إليها كانت تحتكم سائر فئات المجتمع من خاصة و عامة.
و إذا كانت حركة هدنة الله قد شكلت منعطفا حاسما في مسار تلك المؤسسات بقمطية الماكوني، كما رأينا من قبل، فان تطورات ذات بعد اقتصادي – ديموغرافي حدثت خلال الفترة الممتدة بين سنتي 950 و 1040 هي التي أفضت هذه المرة إلى التحولات السياسية و الاجتماعية التي شهدتها بروﭬانسيا بعد سنة 1040.
و قد تمثلت هذه التطورات في كون أن أفراد الأرستقراطية، من كبار و متوسطي الملاكين العقاريين، أصبحوا يلاقون صعوبات في إيجاد الأيدي العاملة الكافية لاستثمار استغلالياتهم المترامية الأطراف. بفعل التراجع الديموغرافي و تقلص أعداد العبيد الذين كانوا يسخرون منذ قرون في مختلف الأنشطة الزراعية. و من ثم، لم يجدوا أمامهم من حل سوى القيام ببسط سلطانهم المعنوي و المادي على عموم الفلاحين الأحرار. فشرعوا في إرساء الآليات لتحقيق هذا المبتغى.
و من المفيد التذكير مجددا في هذا المقام، بأن القمط كان هو المسؤول الوحيد منذ عهد شارلمان، و قبله أيضا، الذي تتجسد في شخصه السلطة في ربوع القمطية. فهو الذي يمتلك ما تسميه بحق الإلزام ( le droit de ban ) الذي يسري مفعوله في حدود دائرة ترابية معينة هي القمطية. و بمقتضى هذا الحق، الذي تقوم بأجرأته عدة أجهزة، يقوم القمط بالقيادة ( le commandement ) و يسهر على إقرار الأمن، و يدعو كبار أفراد الارستقراطية لحضور الاجتماعات السنوية التي تعقد للبث في القضايا التي تهم القمطية، و يشرف على جباية الضرائب، وعلى شؤون القضاء، كما يشرف على استخلاص الذعائر و الغرامات.
فحدث في قمطية بروﭬانسيا أن شرع عدد من أفراد الأرستقراطية اللائكية في التطاول على بعض هذه الحقوق. فأخذوا يسهرون على إقرار الأمن في ربوع القرية التي تقع بها ممتلكاتهم العقارية. و نجحوا في التأثير على أشغال المؤسسات القضائية. و أنشأوا مؤسسات اقتصادية كالأفران و المعاصر و الطاحونات. و احتكروا استغلالها.
و بالنظر إلى ثروة أفراد الأرستقراطية و ما كانوا يملكونه من نفوذ قوي، فقد أصبحت لمعظمهم اليد الطولى داخل القرى. بل إن عددا منهم نصبوا أنفسهم " اقماطا " في تلك القرى. التي تحولت كل واحدة منها إلى " سنيورية إلزامية " . أي إلى دائرة ترابية يمارس الأرستقراطي في حدودها حق الإلزام بكل تجلياته.
و قد كان التطور حاسما في هذا الاتجاه، في نظر جون بيير بولي، حين أصبح أفراد الأرستقراطية في بروﭬانسيا يشيدون القصور و الحصون دون طلب إذن من مؤسسة القمطية. فأخذت هذه المنشآت تنتشر هنا و هناك بإيقاع سريع. إذ قبيل حدود سنة 1040 أضحت إحدى المعالم البارزة في المشهد العمراني بقمطية بروﭬانسيا. الأمر الذي دفع الباحث إلى التساؤل عن أسباب هذه الظاهرة.
انتهى جون بيير بولي في معرض جوابه عن هذا السؤال إلى التأكيد بأنه لم يكن ثمة مبرر أمني داخلي أو خطر عسكري خارجي يدعو إلى إقامة هذه التحصينات، خاصة و أن المسلمين الذين كانوا يهددون القمطية تراجعوا عن حدودها منذ سنة 972 . فما من تفسير لهذه الظاهرة ، في اعتقاده، سوى أن أفراد الأرستقراطية كانوا يسعون بخطى حثيثة لعسكرة القرى لسببين : أولا لحماية أنفسهم و حماية ممتلكاتهم بدل التعويل على الأجهزة العمومية لتحقيق الحماية. وثانيا لإيجاد قاعدة مادية لتفعيل سلطانهم على سكان القرى.
و انطلاقا مما تقدم، يذهب جون بيير بولي إلى الاعتقاد على غرار جورج دوبي بان القصر
( le château ) أو الحصن أصبح من وجهة نظر معنوية رمزا للسلطة. و من وجهة نظر مادية مركزا لمؤسسة هي السنيورية الإلزامية. انطلاقا من هذا المركز أضحى الأرستقراطي، أي السنيور، يمارس حق الإلزام على سكان القرية.
و إذ قدر لأفراد الأرستقراطية في بروﭬانسيا النجاح في الاستحواذ على حق الإلزام، و سحب البساط من تحت أقدام القمط ، فقد أفرغوا بذلك مؤسسة القمطية من أي محتوى، و نجحوا في نفس الوقت في إيجاد مخرج لأزمة اليد العاملة التي كانت وراء كل هذه الترتيبات. و إذا كانت هذه التحولات قد حدثت دون أن ترافقها أحداث دامية كبرى كما حدث في قمطيات أخرى،فقد أدت مع ذلك ، إلى حدوث " قطيعة " بين عهدين في يروﭬانسيا كما يؤكد ذلك جون – بيير بولي :عهد ما قبل الفيودالية، وعهد الفيودالية. و رغم ذلك فان الباحث يشد انتباهنا إلى مسألة أساسية و هي أنه حتى نهاية القرن الحادي عشر كانت الظاهرة " تستعد لحط الرحال " بالديار البروﭬانسية. و كان عليها أن تبدأ المسار الثاني من رحلتها لكي تستكمل مسيرتها و تصبح نظاما متكاملا.

بدا جون بيير بولي معالجته لهذا المسار بالتذكير بان الفئات الاجتماعية في قمطية بروﭬانسيا ارتبطت فيما بينها بمختلف أشكال و صيغ علاقات التبعية منذ القدم كما هو الشأن في مختلف قمطيات غالة. فالفقراء ارتبطوا بالأغنياء، و الضعفاء ارتبطوا بالأقوياء بعلاقات تضرع و إذعان. بينما ارتبط نفر من كبار أفراد الأرستقراطية الدينية و اللائكية مع القمط بعلاقات ولاء ( la fidélité ).
و قد كانت علاقات الولاء بين هذه الأطراف التي تهمنا فيما نحن يصدده، تستند في بعض الحالات إلى عقار. هو عبارة عن " بنفسيوم " استفاد منه عدد من " علية القوم " الذين أبانوا عن
إخلاص و تفان في خدمة القمط و القمطية. تمثل ذلك البنفسيوم في الأغلب الأعم في مجموعة حصون. كان المستفيدون منها يقومون بحراسة المناطق التي تقع بها نظير استمرارهم على ولائهم للقمط. و حسب الإفادات التي يقدمها لنا جون بيير بولي ، فان النصوص القليلة التي تتحدث عن هذا الشكل من العلاقات لا تتضمن مصطلحات تندرج ضمن ما يسمى بقاموس الفصالة. كما أنها لا تتضمن معلومات عن الطقوس و الحركات ( les gestes ) المتصلة بعلاقات الفصالة من قبيل الانحناء و عملية أداء اليمين. باستثناء نص واحد يعود لسنة 990 يفيد بأن ريكولف ( Riculf ) أسقف كنيسة فريجوس ( Fréjus ) وقف على ركبتيه ( s’est agenouillé ) يوما ما بين يدي القمط كما يفعل الفصل أمام سيده السنيور . و لاشك أن هذا الحدث يكتسي دلالة بالغة الأهمية؛ الأمر الذي دفع جون بيير بولي إلى التساؤل عما إذا كان هذا الانحناء تعبيرا عن علاقة فصالة أم أن ما قام به الأسقف كان مجرد تعبير عن الإخلاص و الولاء في أرقى صوره ؟ جوابا عن هذا السؤال يذكر بولي بأنه من الصعب الحسم في المسألة انطلاقا من شهادة منفردة. و لكنه لم يتردد مع ذلك في الجزم بأن الطقوس و الشعائر المرافقة لعلاقات الفصالة لم تظهر في قمطية بروﭬانسيا إلا بعد مطلع القرن الثاني عشر. و يذكرنا في هذا المقام بأن عددا من أفراد الأرستقراطية الذين شيدوا القصور و الحصون ، كما ذكرنا فيما مضى ، شكلوا مليشيات عسكرية كانت تعمل تحت إمرتهم؛ و كان من المفروض أن يكون أفرادها أ فصالا لهم، و رغم ذلك فقد كانت العلاقات القائمة بينهم و بين أفراد الأرستقراطية قائمة على الولاء، و لم تكن علاقات فصالة. و يدعم جون بيير بولي و جهة نظره هاته بالقول بأن المصادر الخطية التي اعتمدها في انجاز أطروحته لا تتضمن سوى 19 نصا تعود للفترة الممتدة بين سنتي 1040 و 1100 تتحدث عن الولاء ( la fidélité ). و لا تشير من قريب أو من بعيد إلى الفصالة ( la vassalité ). و بعد سنة 1100 و حتى حدود سنة 1166 انضاف إليها 16 نصا. تعززت بظهور عدد من العقود الفيودالية ( des conventions féodales ) بلغ عددها 22 عقدا. و أهم ما في الأمر هو أن معظم هذه النصوص بالإضافة إلى العقود المشار إليها أصبحت تتحدث بكل وضوح عن الفصالة و ما يتصل بها من طقوس.
و المحصلة النهائية هي أن قمطية بروﭬانسيا انخرطت بدورها في سلك القمطيات التي سادت فيها الفيودالية. و قد وجدت في جون بيير بولي الباحث الذي أثبت ذلك بالحجة و الدليل. فماذا يمكن أن يقال عن اللاسيوم أحد أقاليم شبه جزيرة ايطاليا.

ظل الباحثون حتى نهاية الستينيات من القرن الماضي يروجون لوجهة نظر مفادها أن الأراضي التي كانت خاضعة لسلطة البابوية في شبه جزيرة ايطاليا ظلت بمنأى عن ظاهرة الفصالة حتى حدود سنة 999 حين اعتلى عرش البابوية رجل الدين الفرنسي جربير الأورياكي ( Gerbert d’Aurillac) المعروف باسم البابا سلفستر الثاني ( Sylvestre II ).
يذكر روبير بوتريش، أحد الباحثين المتأخرين المروجين لهذا الطرح ،بأن البابا المذكور أبان خلال الأربع سنوات التي قضاها على رأس البابوية عن حيوية و نشاط لرد الاعتبار لمؤسسة البابوية، و لنشر تعاليم المسيحية في بعض أقاليم أوربا الشرقية المعروفة اليوم ببولندا و هنغاريا. و لم يخف رغبته في وضع الحجاج القاصدين بيت المقدس تحت حماية البابوية. بل دعا إلى حمل السلاح لتحرير الأماكن المقدسة. فشرع في استقطاب حملة السيف من المتحمسين لهذا المشروع. و شجع أفراد الأرستقراطية على تكوين مليشيات و الانخراط في روابط الفصالة.
و إذ ارتبط هذا المشروع بشخصية البابا سلفستر الثاني ، فقد شهد نوعا من التعثر بعد وفاة هذا الأخير سنة 1003. و لذلك ظلت الفيودالية محتشمة في هذه الربوع. ولم يقدر لها الاكتمال لتصل إلى مستوى أعلى من التبلور حسب مزاعم بوتريش و الباحثين السابقين.
تمثل أطروحة بيير توبير( Pierre Toubert ) الصادرة سنة 1973 قطيعة مع هذا الطرح. فقد خلص بعد قراءة جديدة لترسانة من النصوص تهم الفترة الممتدة بين القرنين التاسع و الثاني عشر بأن الأمر عكس ما روج له الباحثون تماما.
و حقيقة هذا الأمر هو أن فيودالية إقليم اللاسيوم ( le Latium ) الذي اختاره مجالا جغرافيا لبحثه، فيودالية " محلية الصنع ". كانت وراء إرساء قواعدها مؤسسات دينية ،أبرزها دير فارفا Farfa ) ) و دير سوبياكو ( Subiaco ) . فقد دأبت هاتان المؤسستان منذ مطلع القرن الحادي عشر على تقديم قطع أرض لأفراد ينتفعون بها مدى الحياة ( des tenures livellaires ) سعيا منها لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المريدين.
و يفيدنا بيير توبير بأن دير فارفا كان مؤهلا أكثر من دير سوبياكو في التسريع بوتيرة إرساء دعائم الفيودالية. فقد كان يملك موارد مادية وبشرية هائلة. تمثلت في تحف نادرة و قطع أرض شاسعة المساحة و أعداد كبيرة من المريدين. كانوا في معظمهم يتألفون من فلاحين يقيمون في قرى محيطة بالدير، و يحظون بحمايته فيما يعرف " بالمحميات " ( les sauvetés ). لذلك ارتأى رجال الدين القائمون بأمر دير فارفا إنهاء العمل بالصيغة السالف ذكرها. و شرعوا منذ سنة 1062 في منح قطع أرض كأفياف للمريدين، الذين يتقنون استعمال السلاح، مقابل خدمات عسكرية. و سرعان ما تلت هذه العملية عمليات مماثلة خلال السنوات الموالية. ثم تضاعفت خلال العشرية الممتدة بين سنتي 1080 و 1090. و غدت هي الصيغة الأكثر تداولا بين دير فارفا و الراغبين في الانضمام للمليشيات التي أنشاها. و منذ هذا التاريخ بدأت ظاهرة العسكرة تأخذ منحى تصاعديا في الأراضي الواقعة في منطقة صابين ( Sabine ) الخاضعة لنفوذ دير فارفا. ثم أصبحت الظاهرة واضحة أكثر بعد سنة 1100 حسب الإفادات التي تقدمها النصوص التي اعتمدها بيير توبير .
و فد سمحت نفس النصوص لبيير توبير بالقول بأنه ابنداءا من حوالي سنة 1120 أخذ نفس المشهد يتشكل في المنطقة المحاذية لنهر التيبر ( le pays Tibertin ) الخاضعة لنفوذ دير سوبياكو. فقد أبان نفر من أفراد الأرستقراطية اللائكية عن رغبة جامحة في الاستحواذ على أراضي تدخل ضمن ممتلكات هذا الدير، فاقتضت ضرورة صد الأطماع من رجال الدين المشرفين عليه الالتحاق بركب زملائهم رجال دين دير فارفا. فاجتهدوا بدورهم في استقطاب " المريدين " ( Fides equites ) من بين الذين يتقنون فنون الحرب و القتال و امتطاء صهوات الخيول. فمنح الدير لكل منخرط في العملية فيفا. و شكل مجموع المنخرطين مليشيات عسكرية. ارتبط أفرادها بسادتهم من رجال الدين بروابط فيودو – فصلية. و تعهدوا بالخدمة العسكرية.

انطلاقا مما تقدم يتضح بأن مؤسسات دينية " صغرى " نسبيا هي التي تزعمت حركة إرساء الفيودالية في شبه جزيرة ايطاليا ، أو على الأقل في إقليم اللاسيوم و في الأراضي المحاذية لنهر التيبر. و هذا ما يستفاد من كلام بيير توبير حين يذكر بأن عملية إرساء الفيودالية في ايطاليا اندرجت ضمن اهتمامات " المؤسسات العمومية " و ليس ضمن اهتمامات الأفراد كما حدث في أقاليم غالة . و قد تأكد هذا البعد " المؤسساتي العمومي " أكثر حين انضمت البابوية إلى العملية. فما هي الإجراءات التي قامت بها أم المؤسسات الدينية في هذا الشأن؟
يذكرنا ما يورده بيير توبير من معطيات و هو بصدد الجواب عن هذا السؤال بما حدث في غالة قبيل أن يتولى شارلمان حكمها. فقد كانت روابط الفصالة قد استشرت في أوساط الطبقة الأرستقراطية من مجتمعها. و بما أنه كان من الصعب استئصال الظاهرة، فقد فكرفي احتوائها ،كما ذكرنا فيما مضى ، من خلال إضفاء الطابع المؤسساتي عليها. و ذلك بأن جعلها إحدى وسائل الحكم وممارسة السلطة. و هذا بالذات ما حاولت البابوية القيام به في ايطاليا.
فقد شرع الباباوات منذ مطلع القرن الثاني عشر في نسج خيوط شبكة من الروابط الفيودو – فصلية. و شجعوا كبار رجال الدين و كبار الملاكين العقاريين اللائكيين على الانخراط فيها؛ مستحضرين في هذا الشأن ما سبق أن قام به البابا سلفستر الثاني. و لتحقيق النجاح في مسعاهم اتبعوا مسلكين أساسيين: تمثل المسلك الأول في عملية شراء مجموعة قصور و حصون كانت في حوزة بعض أفراد الأرستقراطية. منحت لهم فيما مضى قصد الانتفاع، أو بسطوا عليها نفوذهم في ظروف غير عادية. فاشترتها منهم البابوية و عادت لتمنحها لهم كأفياف نظير الإقرار بتبعيتهم لها كأفصال. وتمثل المسلك الثاني في عملية " شراء للولاءات ". فقد كان عدد من كبار الملاكين العقاريين يدينون بالولاء ( la fidélité ) للبابوية منذ القدم. فارتأى الباباوات تقديم مبالغ مالية لهؤلاء على أن يتحولوا من مجرد أشخاص يدينون بالولاء للمؤسسة إلى أفصال تابعين لها.
و يفيدنا بيير توبير بأن البابوية حققت نجاحا منقطع النظير في هذا الاتجاه. إذ بعد مضي سنوات قليلة شرع كثير من كبار الملاكين العقاريين و عدد من الأقماط في تقديم فروض الطاعة للبابوية بالانحناء و تقديم الولاء ( l’hommage ) و تأدية القسم كسا يفعل سائر الأفصال . و بذلك ، فان الفيودالية التي سبق لها أن بلغت مستوى من النضج في إقليمي اللاسيو م و صابينا اكتمل نضجها أكثرعلى يد البابوية. و اتسع انتشارها هذه المرة في مجال جغرافي أوسع.
و الجدير بالذكر أن ما أقدمت عليه البابوية كان ينسجم من جهة مع ما كان يعتمل في ايطاليا و في غرب أوربا عامة من أحدات و تحولات انطلقت منذ مطلع القرن الحادي عشر. فكان على هذه المؤسسة الدينية أن تركب تيار مرحلة جديدة من تاريخ غرب أوربا اختلط فيها الديني بالدنيوي. و أصبحت فيها المؤسسات الدينية تجنح نحو طلب الدنيا كما كان يفعل أفراد الأرستقراطية اللائكية . كما كان يستجيب من جهة أخرى مع رغبة البابوية في أن تكون تحت إمرتها مليشيات تمدها بالقوة و تسمح لها بقيادة المسيحيين في المشروع الحربي الشهير بالحروب الصليبية.

تترك الفقرات السابقة الانطباع لدى القارئ و كأن نشأة و تطور الفيودالية، في إقليمي اللاسيوم و صابينا، حدثا في سياق مختلف عن السياق الذي حدثا فيه في إقليمي الماكوني و بروﭬانسيا. ففي هذين الإقليمين حدث أن تدهورت المؤسسات العمومية. فاتجهت عملية تدبير الشأن العام نحو " الخوصصة "؛ و ذلك حين قام أفراد الأرستقراطية ( فرادى ) بالسطو على حق الإلزام وشرعوا في تشييد القصور. ثم أصبحوا يمارسون ذلك الحق في إطار سسنيوريات إلزامية أنشأوها. و ارتبطوا فيما بينهم في شبكة من العلاقات تمحورت حول الفيف.
في ايطاليا لم يحدث التدهور المشار إليه. فقد كانت المؤسسات الدينية تشكل دائما ما يمكن تسميته ببنيات استقبال. حيث كانت تحتضن أفراد المجتمع و تسهر على تأطيرهم. كما أن منظومة القوانين التي كانت تنظم المعاملات بين الأفراد ظلت قوية. و من ثم لم يتهافت أفراد الأرستقراطية اللائكية في إقليم اللاسيوم على تطبيق قوانين جديدة. و لم يسارعوا إلى التسلط على شؤون القضاء. و رغم أنهم شرعوا منذ منتصف القرن العاشر في تشييد القصور و إقامة مناطق النفوذ، فإنهم لم يلجئوا إلى نسج روابط فيودو - فصلية كما فعل زملائهم في عدد من أقاليم غالة . و هذا ما يفسر في نظر الباحث عدم مواكبة الروابط الفيودو – فصلية ( أي الفيودالية في معناها الضيق ) في إقليم اللاسيوم لظاهرة تشييد القصور و إقامة مناطق النفوذ كما حدث في أقاليم غالة. لكن هذا لا يعني بأن أفراد الأرستقراطية ( اللائكية بوجه خاص ) ظلوا في إقليم اللاسيوم بمنأى عن الفيودالية أو بمنأى عما كانت تقوم به المؤسسات الدينية. فكيف يوضح بيير توبير هذا الأمر؟
يفيدنا بيير توبير بأن حضور أفراد الأرستقراطية في قلب الأحداث يتجلى من خلال الحديث عن " حركة إعادة الهيكلة " التي شهدها إقليم اللاسيوم بين سنتي 920 و 1030، و التي شملت مختلف المجالات كأشكال السكن الريفي و أساليب الزراعة و البنيات الاجتماعية و طرق تدبير الشأن المحلي. و قد كانت وراء تلك " الحركة " تحولات كبرى ، أبرزها النمو الديموغرافي الذي حدث في مجال جغرافي يتميز بصعوبة تضاريسه و قلة أراضيه الصالحة للزراعة. الأمر الذي كان يستدعي التدخل لإعادة تنظيم ذلك المجال بشكل يجعله قادرا على استيعاب التزايد المذكور دون إعاقة النمو الاقتصادي ( أي التوسع الزراعي ) الذي بدأ يرتسم في الأفق منذ نهاية القرن العاشر. و لتحقيق هذا المسعى قام أفراد الأرستقراطية بتجميع سكان إقليم اللاسيوم في قرى محصنة بأسوار أقاموها لهم في المرتفعات و في المناطق الوعرة التي لم تكن مستغلة من قبل. فأفضى ذلك إلى ظهور تجمعات سكنية جديدة. أطلق عليها الباحث اسم " الأنكستلمنطو " ( l’incastellamento ) .والواقع أن الأمر يتعلق بظاهرة تجاوزت كثيرا حدود التجمعات السكنية. اكتست دلالات متعددة و ترتبت عنها نتائج بالغة الأهمية يمكن إجمالها فيما يلي :
أولا : أشرف على إقامة تلك التجمعات أفراد الأرستقراطية الدينية و اللائكية. أحيانا كانوا يقومون بذلك مجتمعين ،و في أحايين أخرى متفرقين.فانتهى على اثر ذلك عهد تميز فيه العمران الريفي بتفرق المساكن. و حل عهد أصبحت فيه المساكن متجمعة. و غدا " الكاستروم " ( le Castrum ) هو النواة الأساسية في التنظيم الترابي. و بالمثل انتهى عهد كانت فيه أرياف ايطاليا مجالا جغرافيا مفتوحا، يمكن أن تتحرك ساكنته في جميع الاتجاهات. و حل عهد أصبح فيه الفلاحون قرويون ( des villageois ou des castellanus ). يقيمون تحت رحمة أفراد الأرستقراطية في تجمعات مغلقة يمكن نعتها بلغة عصرنا " بالكيطوهات " ( des ghettos ).
ثانيا : ترتب عن إقامة القرى المحصنة نهاية العمل بنظام الدومين الكبير ( le grand domaine ) الذي كان سائدا خلال الحقبة الكارولنجية. و الذي بمقتضاه كانت الأراضي الصالحة للزراعة موزعة إلى استغلاليات كبيرة، شاسعة المساحة. فأصبح الآن كل دومين مقسما إلى وحدات صغرى يتوسطها قصر المالك العقاري. و تكتسي إعادة الهيكلة هاته دلالة بالغة في نظر بيير توبير لأنها تعني نهاية العصر الوسيط و بداية العصر الوسيط في إقليم اللاسيوم.
ثالثا : يختلف بيير توبير مع بعض الباحثين حين يربطون بين ظاهرة " الأنكستلمنطو " و غارات المسلمين على بعض المواقع الايطالية. و يوضح في هدا المقام بأن أقدام المسلمين وطأت إقليم اللاسيوم بين سنتي 870 و 910. و قد استطاع المسلمون الوصول إلى كنيسة القديس بطرس. ثم ابتعدوا عن الإقليم نهائيا بعد هزيمتهم في وقعة 915. في حين أن عملية تشييد القرى المحصنة لم تنطلق إلا بعد سنة 920 .
و بناء على ما تقدم يخلص بيير توبير إلى القول بأن المنشآت الجديدة أقيمت في بادئ الأمر لإعادة تنظيم السكان. و بعد ذلك غدت أطرا تعتمل فيها حياة سكان الأرياف. بل إن جميع الأحداث و التطورات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية أصبحت الآن تعتمل في هذه الفضاءات الجديدة.و كأنه بذلك يقر ضمنا بأنها لا تختلف عن السنيوريات الإلزامية التي أرسى دعائمها أفراد الأرستقراطية في قمطيتي الماكوني و بروﭬانسيا كما رأينا فيما مضى. و يؤكد بيير بوناصي فعلا، في معرض تعليقه على أطروحة بيير توبير، بأن تجمع السكن الريفي في إقليم اللاسيوم أو تفرقه في إقليم قطلونيا لا يعدوان كونهما مجرد تجليات اتخذها السكن هنا و هناك. أما في واقع الأمر،فقد كان السكان تحت سيطرة الطبقة الأرستقراطية التي استطاع أفرادها امتلاك حق اتخاذ القرار، أي امتلاك حق الإلزام . و إذا كان مالكو حق الإلزام في قمطيات غالة فد حصنوا أنفسهم بتشييد القصور المنيعة ، و شكلوا المليشيات للاستناد عليها في أجرأة ذلك الحق، فيبدو أن الهاجس الأمني أو العسكري لم يكن غائبا تماما عن أذهان أفراد أرستقراطية اللاسيوم. لأنهم بقدر حرصهم على حل المشاكل الديموغرافية عن طريق إعادة تنظيم المجال ، فقد كانوا أيضا حريصين من خلال إقامة القرى المحصنة و تشييد القصور على حماية أنفسهم و حماية ممتلكاتهم العقارية. و جعلها في مأمن من أي خطر قد يتهددها من قبل الفلاحين، الذين أخذت أعدادهم تتكاثر بشكل ملفت، أو من قبل أية قوى أجنبية.
نخلص في ضوء ما تقدم إلى القول بأن بيير توبير أبان بما لا يقبل الجدل بأن إقليم اللاسيوم ،و بمعيته مجموع أقاليم ايطاليا، شهد ظاهرة الفيودالية. و أن الأمر يتعلق بظاهرة أصيلة نشأت و ترعرعت في نفس الإقليم. و بالمثل ففد أبان بأنه انتهى زمن كان يتم فيه النظر إلى فيودالية غرب أوربا انطلاقا فقط من النموذج الماكوني أو من نماذج الأقاليم الواقعة في الشمال بين نهري الراين و اللوار. و نؤكد من جانبنا بأن أطروحة بيير توبيرالتي حظيت باهتمام خاص في الأوساط العلمية غدت منذ صدورها نموذجا يقتدى من قبل المهتمين بالبحث في المؤسسات السياسية و القانونية و في البنيات الاجتماعية و الزراعية في أقاليم جنوب أوربا. و فد تلتها بعد سنتين فقط أطروحة بيير بوناصي حول إقليم قطلونيا التي أحدثت القطيعة بصفة نهائية مع الطروحات التي ظلت رائجة حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي، سواء فيما يتعلق بنشأة و تطور الفيودالية ، أو فيما يتعلق بطبيعة هذه الظاهرة في أقاليم جنوب غالة و أقاليم أوربا المتوسطية. فماذا يمكن أن يقال عن الفيودالية في إقليم قطلونيا ؟

اعتمد بيير بوناصي لانجاز بحثه على ما ينيف عن 15000 نص تعود للفترة الممتدة بين
منتصف القرن العاشر و نهاية القرن الموالي. توزعت بين سجلات أديرة و مواثيق و عقود ونصوص هاجيوغرافية و غيرها. خلص بعد استقرائها إلى فكرة أساسية وهي أن إقليم قطلونيا شهد خلال الفترة المذكورة تحولات اقتصادية كبرى واكبتها عملية إعادة تشكل للبنيات الاجتماعية. و من ثم ، فخلافا لجورج دوبي و بيير توبير الذان يربطان نشأة الفيودالية بالتحولات السياسية، يذهب بيير بوناصي إلى التأكيد بأن نشأة و تطور ظاهرة الفيودالية في إقليم قطلوتيا لا يمكن فهمها و تتبع مسارها إلا باستحضار النمو الاقتصادي الذي أفضت إليه تلك التحولات الاقتصادية.
أولا : نهاية الركود الاقتصادي في إقليم قطلونيا و بداية النمو
يفيدنا بيير بوناصي بأن النصوص التي اعتمدها تسمح بالقول بأن إقليم قطلونيا كان منتظما خلال الفترة موضوع البحث في هيأة قمطيات؛ أكبرها قمطية برشلونة. و على غرار قمطية الماكوني، فقد ظلت مؤسسة القمطية قوية في قطلونيا حتى حدود سنة 950. حيث كان القمط مهاب الجانب. يدين له بالولاء جميع السكان من خاصة و عامة. و ربما كان التماسك و التآلف في قطلونيا أقوى مما كان عليه في سائر القمطيات نظرا لقربها من مراكز وجود المسلمين في الأندلس. أما اقتصاديا، ففد كانت قطلونيا إقليما فقيرا حتى حدود السنة المذكورة. يقيم سكانها المؤلفين في معظمهم من فلاحين في المناطق الوعرة. يعيشون في إملاق و تغلب على حياتهم الرتابة.
و يفيدنا بيير بوناصي بأن أقماط قطلونيا تحللوا من تبعيتهم لملوك غالة منذ عهد بوريل الثاني ( Borrell II ) الذي تولى مهام القمطية بين سنتي 948 و 992 . فحرموا من أي سند يحميهم، و لذلك ظلوا حريصين على كسب ود خلفاء قرطبة بحفظ المواثيق و تبادل الهدايا و الصلات. و لم يجرؤوا يوما على مناوشة مسلمي الأندلس رغم أنهم تعرضوا لبعض الحملات العسكرية مثل تلك التي قادها المنصور بن أبي عامر سنة 985 م. / 374 ه. و تلك التي قام بها ابنه عبد الملك سنة 1003 م./ 393 ه. و رغم انقلاب موازين القوى لصالح مسيحيي شبه جزيرة ايبيريا بعد سقوط الخلافة و اتجاه الأندلس نحو التجزئة ،فقد استمر أقماط قطلونيا في نهج سياسة الود و المهادنة اتجاه القائمين على الأمر في الممالك الطائفية خلافا للسياسة التي انتهجها القشتاليون. و أهم ما تجرؤوا على القيام به هو حماية بعض الممالك الطائفية الصغرى مثل مملكتي سرقسطة و طرطوشة و المشاركة في بعض الحملات التي قام بها مسيحيو شبه جزيرة ايبيريا ضد مسلمي الأندلس و السماح لعدد من المحاربين القطلانيين بوضع مهاراتهم القتالية رهن إشارة بعض القوى الإسلامية مقابل أجر.
و يبدو أن سياسة الأقماط و خدمات المحاربين عادت بالنفع على القمطية و على سكانها. فقد أخذت تتسرب إليها كميات مهمة من القطع الذهبية الأندلسية. ساهمت منذ حوالي سنة 980 في إنعاش اقتصادها. حيث أعطت ديناميكية للنشاط الزراعي الذي كان معتمد سكانها. و أسهمت في إذكاء المبادلات التجارية، و إن ظلت منتجات الأرض موضوع تلك المبادلات. مما أفضى إلى نهضة اقتصادية. بدأت معالمها تتضح أكثر ابتداء من سنة 1020 .
و ينبهنا بيير بوناصي في هذا المقام يأته من الخطأ القول بأن العوامل الخارجية وحدها هي التي أدت إلى حدوث الانتعاش الاقتصادي. و الصواب هو أن استقرار الأوضاع الأمنية على حدود قطلونيا هيأ الظروف الملائمة لجهود مضنية كان يقوم بها الفلاحون منذ منتصف القرن العاشر. تمثلت في عمليات توسيع للمساحات الصالحة للزراعة عن طريق استصلاح الأراضي الهامشية و تجفيف بعض المستنقعات و تحسين أساليب الأداء في العمل الزراعي. و أتى ذهب الأندلس ليقدم قيمة مضافة لتلك الجهود.
و الحصيلة هي أن عوامل خارجية و أخرى داخلية تظافرت لتنتقل قمطية قطلونيا من مرحلة الركود إلى مرحلة النمو ؛ ومن مرحلة الانغلاق إلى مرحلة الانفتاح. و قد تجسدت صور هذا الانتقال في ارتفاع كمية عائدات الأرض، و انتعاش الأسواق، و ازدياد حدة السيولة النقدية، و انتعاش حركة البناء و التشييد وتحسن ظروف عيش السكان، و ارتفاع وتيرة الترحال في اتجاه المراكز المسيحية و الإسلامية.
ثانيا : النمو الاقتصادي و تشكل الروابط الفيودو – فصلية
كان من تبعات النمو الاقتصادي أن ازدادت قيمة و أهمية الأرض. و أصبحت موضوع رهان حاد و صراع مكشوف بين عموم الفلاحين و كبار الملاكين من أفراد الأرستقراطية الذين تزايد جشعهم. فلجأ هؤلاء إلى تشييد الحصون و القصور المنيعة و تشكيل المليشيات العسكرية على غرار ما قام به أقرانهم في مختلف قمطيات غالة. و شرعوا في شن الغارات على بعض المؤسسات الدينية و على الفلاحين للاستحواذ على ما في حوزتهم من أراضي.
و آل الصراع بطبيعة الحال لأفراد الأرستقراطية الذين نجحوا في بسط سلطانهم على معظم فلاحي قطلونيا من خلال إرساء السنيورية الإلزامية. التي تمثل في نظر الباحث مؤسسة أقيمت للاستفادة من الثمار التي أسفرت عنها جهود الفلاحين .
و يبدو أن المكاسب المادية و المعنوية التي حققها أفراد الأرستقراطية لم تثنيهم عن طلب المزيد. فأينعت رؤوس الكبار منهم . و أخذوا يرنون بأبصارهم نحو مؤسسة القمطية. و دخلوا فعلا في صراع مكشوف مع القمط رايموند برنجر الأول ( Raimond Béranger Ier ) . نجحوا على إثره في بسط سلطانهم على القرى الواقعة في منطقة قطلونيا العليا. و أسسوا بها ما يشبه الكيانات السياسية المستقلة ( des dominations territoriales autonomes ). بينما فشلوا في تحقيق نجاح مماثل في الحاضرة برشلونة وفي القرى التابعة لأعمالها. و مرد هذا الفشل في نظر بيير بوناصي يكمن في قوة سلطة القمط في هذه المناطق و في انضمام سكان الحاضرة و فلاحي القرى إلى صفوفه تجنبا للسقوط في قبضة أفراد الأرستقراطية.
و الأهم من ذلك هو أن الانتصار الذي حققه القمط في هذه المواجهة شكل منعطفا حاسما في مسيرة المؤس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الفيودالية و النظام الفيودالي في غرب أوربا (الفصل الثالث من القسم الأول)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب :: منتديات التاريخ الإسلامي والوسيط :: منتدى التاريخ البيزنطي-
انتقل الى: