المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب
الصديق العزيز نرجو منك الانضمام إلى أسرتنا، ننتظر تسجيلك

المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب

نحترم كافة الآراء ولا نقيدها - المقتطف المصري - دعوة لاحترام الرأي الآخر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
|||::--:Neutral|| ندعوكم مثقفي العرب ومؤرخي أمتنا إلى المساهمة في إثراء منتدى المقتطف المصري بمقالاتكم التاريخية التي بالتأكيد ستزيد من قيمة المنتدى
|||::--:Neutral|| كما ندعوكم للكتابة في مجلة المقتطف المصري الإليكترونية ملتقى شباب المؤرخين العرب
|||::--:Neutral|| تحيات إدارة المقتطف المصري بقضاء وقت ممتع على صفحات منتدانا ويسعدنا استقبال مقترحاتك

شاطر | 
 

 الوفيات في غالة الميروفنجية من خلال كتاب تاريخ الفرنجة لغريغوار أسقف تور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
يوسف نكادي




مُساهمةموضوع: الوفيات في غالة الميروفنجية من خلال كتاب تاريخ الفرنجة لغريغوار أسقف تور   الإثنين 31 يناير 2011, 9:39 pm

يوسف نكادي و محمد حناوي

الوفيات في غالة الميروفنجية
من خلال كتاب تاريخ الفرنجة لغريغوار أسقف تور


تعتبر الوفيات ظاهرة ديموغرافية كالولادات و الهجرات .وتعد عنصرا هاما من بين العناصر التي تسهم في تغير السكان . إذ تؤثر في عددهم الإجمالي وفي تركيبتهم من حيث الأعمار والأجناس(الذكور والإناث). كما تترتب عنها أثار بالغة على صعيد الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية.
ولذلك كان الديموغرافيون أبرز من اهتم بدراستها. حيث قاموا منذ زمن يعيد بقياس حجمها وقياس معدلاتها حسب الأعمار في عدة مجالات جغرافية. كما قاموا برصد تطورها واتجاهاتها.
وربما كانت هذه المقاربة من الأسباب التي جعلت المؤرخين والمهتمين بالديموغرافيا التاريخية لا يقتحمون هذا الموضوع إلا منذ سنوات قليلة. لان شواهد الماضي، ممثلة في البقايا الأثرية والنصوص الخطية، لا تمدهم بالمعطيات الرقمية التي تتطلبها المقاربة الكمية. و تتزايد هذه الصعوبة حين يتعلق الأمر بالقرون السابقة على القرن السادس عشر. ولذلك ظلت المعالجة الكيفية تغلب على الأبحاث القليلة التي تم انجازها لحد الآن . وهي معالجة تقوم على وضع ظاهرة الوفيات في سياقها التاريخي. و تسعى انطلاقا من هذا السياق إلى إبراز اتجاهاتها و تفسير أسبابها.
وقد أبانت هذه المقاربة عن نجاعتها بشهادة الديموغرافيين انسفهم. حيث أصبحوا منذ مطلع السبعينات يولون أهمية للجانب الكيفي في أبحاثهم . وينفتحون على المؤرخين و الباحثين الآخرين في مختلف حقول المعرفة .
و رغبة منا في إثراء ملف الوفيات، ارتأينا البحث في هذه الظاهرة في غالة زمن سيادة المملكة الميروفنجية، انطلاقا من المعطيات التي يتضمنها كتاب مؤرخ شهير عاصر فترات من عهد هذه المملكة، هو غريغوار أسقف تور (Grégoire de Tours). و مع ذلك، ننبه بأننا لا نطمح في هذا البحث إلى القيام بدراسة كمية أو كيفية شاملة للوفيات في غالة الميروفنجية، بقدر ما نسعى إلى إثارة الموضوع مجددا و فتح آفاق البحث في مختلف جوانبه استكمالا لما تضمنته بضع صفحات سبق أن خصصها الباحث بول أدريان جانسنس (Paul Adriaan Janssens) لهذا الموضوع .

أولا: توطئة تاريخية
كانت غالة التي اخترناها حيزا جغرافيا لهذا البحث تشمل قبل القرن السادس أي خلال العهد الروماني، الأقاليم التي تعطي لفرنسا حاليا شكلا مسدسا (hexagone) بالإضافة إلى الأقاليم التي تتألف منها دولة بلجيكا الحالية. وكانت غالة تتكون آنذاك من أربعة أقاليم كبرى هي إقليم ناربونيز Narbonnaise) (la، وإقليم ليونيز (la Lyonnaise) وإقليم أكيتانيا (l’Aquitaine) وغالة البلجيكية ((la Gaule Belgique. و باستثناء الإقليم الأول الذي كان خاضعا للسلطة الرومانية منذ سنة 121 قبل ميلاد المسيح ، فان الأقاليم الثلاث الأخرى ظلت خارج السيطرة لفترة زمنية طويلة. و لم تجرؤ روما على اقتحامها وضمها إلى ممتلكاتها إلا ابتداء من سنة 52 قبل الميلاد ، لعدة اعتبارات من بينها برودة مناخها مقارنة مع المناخ المتوسطي السائد في إقليم ناربونير، وصعوبة مسالكها بسبب كثافة الغطاء النباتي وكثرة المستنقعات.
ومنذ هذا التاريخ، أي 52 قبل الميلاد، شهدت غالة لأول مرة في تاريخها وحدة سياسية ولغوية وحضارية في ظل السيادة الرومانية استغرقت ثلاثة قرون. غير أن سيادة روما على غالة بدأت تتلاشى ابتداء من حوالي سنة 275 ميلادية بفعل المشاكل المتفاقمة التي أصبحت تتخبط فيها الإمبراطورية حتى تاريخ سقوطها. و بفعل الضغط المتزايد الذي كانت تمارسه القبائل الجرمانية على أطرافها.
وقد كانت لتلك المشاكل ولذلك الضغط أثار سلبية على الأوضاع الداخلية في ولايات الإمبراطورية ومن بينها غالة؛ التي انتهت فيها فترة السلم السياسي و الاجتماعي الذي نعمت به طويلا. كما تراجعت بها الأنشطة الاقتصادية التي سبق أن حققت نموا ملحوظا. فتأثرت المراكز الحضرية من جراء ذلك. ودخلت في مرحلة احتضار.زاد من حدته تراجع أعداد سكانها بفعل الوفيات التي أخذ حجمها في الارتفاع ، وكذلك بفعل الهجرات نحو الأرياف. فتحولت هذه الأخيرة من مراكز لجوء إلى مراكز استقرار دائم وإطارا أخذ يحتضن بعد ذلك مختلف الأنشطة السياسية و الاقتصادية التي تمحورت حول الأرض التي غدت المصدر الأساسي للإنتاج.
وكانت هذه التحولات إيذانا بالاتجاه نحو الأريفة (la ruralisation). وهو اتجاه اذكت وتيرته القبائل الجرمانية التي انتقلت من مرحلة الضغط والغارات إلى مرحله الغزو الكاسح الذي انتهى بسقوط روما سنة 476 ميلادية، و سيطرة تلك القبائل على الولايات الرومانية الواقعة في غرب أوربا.

يمثل الفرنجة أو الإفرنج (les Francs) إحدى تلك القبائل. كانوا مستقرين في الأراضي المحاذية لنهر الراين الأسفل عند مطلع القرن الرابع؛ فيما كانت فرق من محاربيهم تعمل في صفوف الجيش الروماني بغالة. وقد استغلوا الأوضاع المتردية في الإمبراطورية و النجاح الذي آلت إليه تحركات القبائل الجرمانية الأخرى، فشرعوا بدورهم في النزوح نحو غالة التي كانت تشهد انتفاضات اجتماعية . زاد الذين كانوا يتزعمونها من تأجيج لهيبها بعد بداية انسحاب الوحدات الرومانية من هذه الولاية.
ورغم ذلك لم يتم استيلاء الفرنجة على غالة دفعة واحدة، و إنما عبر مرحلتين رئيسيتين : استغرقت أولاهما فترة طويلة، وانتهت سنة 481 بسيطرة الفرنجة على معظم أقاليم النصف الشمالي من غالة؛ لتبدأ المرحلة الثانية التي تميزت بداياتها بتنازل رؤساء قبائل الفرنجة وكبار محاربيها عن زعامتهم لصالح أحدهم، و هو كلوفيس (Clovis) الذي نودي به زعيما ثم ملكا على رأس المملكة التي أعلنوا قيامها سنة 481؛ و التي أصبحت تعرف منذ هذا التاريخ باسم المملكة الميروفنجية.
وقد واصل كلوقيس مشروع استكمال السيطرة على غالة بسلسلة حروب خاضها حتى تاريخ وفاته سنة 511 ترتبت عنها خسائر بشرية ومادية فادحة. وانتهت بسيطرة الفرنجة على إقليم ليونيز الذي كان بحوزة القبائل البورغندية و إقليم أكيتانيا الذي كان خاضعا لقبائل القوط الغربيين.

ثانيا: غالة ميدان للوفيات بعد تأسيس المملكة الميروفنجية
انطلاقا من الإشارات التي تضمنتها الفقرة السابقة يتضح بان حجم الوفيات كان كبيرا في غالة خلال السنوات الأخيرة من القرن الخامس والسنوات الأولى من القرن الموالي بسبب الحروب التي واكبت عملية تأسيس المملكة الميروفنجية. وهي حروب لم تتوقف سنة 511 تاريخ وفاة كلوفيس، بل تواصلت بعد هذا التاريخ واستمرت في إزهاق الكثير من الأرواح.
غير أنها لم تكن السبب الوحيد المؤدي إلى الوفاة. فقد تزامنت مع كل فصل من فصول تلك الحروب أو أعقبتها سلسلة مجاعات واوبئة وكوارث طبيعية أخرى وأمراض متولدة عن البيئة السائدة ترتبت عنها هي الأخرى وفيات كثيرة و ذلك ما سنوضحه في الفقرات الموالية.

1- الوفيات الناتجة عن الحروب:
لا يختلف المؤرخون المحدثون كما لم يختلف القدامى في القول بان الحروب كانت أهم الأحداث التي ميزت تاريخ غالة منذ أن أصبحت مجالا لكيان سياسي مستقل عقب سقوط الإمبراطورية الرومانية؛ حتى أن غريغوار أسقف كنيسة تورGrégoire de Tours)) ، الذي اهتم بتدوين مختلف الأحداث التي شهدتها المملكة التي أسسها الفرنجة، عبر عن خجله من استعراض وقائع تلك الحروب بتفصيل .
وتقتضي المعالجة الدقيقة لعلاقة الحروب بالوفيات الإشارة إلى أن بعض فصول تلك الحروب وقعت في غالة بين قوى سياسية و عسكرية محلية، أي كانت حروبا أهلية. و بعضها وقع أيضا في غالة ولكن أطرافها الأساسية كانت قوى أجنبية شنت غارات على الغالبين. بينما وقع بعضها الآخر خارج غالة، وكان أطرافها الأساسيين هذه المرة محاربون من غالة شنوا غارات على قوى خارج غالة.
وفي جميع الأحوال كانت فصول تلك الحروب تنتهي بخسائر بشرية رغم أن مصنف غريغوار اسفف تور أو النصوص القليلة الأخرى لا تقدم أرقاما تثبت ذلك. ومع ذلك فان السياق الذي كانت تحدث فيه تلك الحروب ومنطق الأشياء يسمحان بالقول بان وقعها المباشر كان متباينا. بمعنى أن أعداد القتلى الذين كانت تسفر عنهم كانت متفاوتة. كما أن أجناسهم (ذكور أو إناث) كانت مختلفة.و من ثمة،
فإننا نميز في الوفيات المترتبة عن الحروب بين ثلاث مستويات.
- المستوى الأول : الوفيات الناتجة عن الحروب الأهلية.
وقعت أهم تلك الحروب بعد سنة 511، تاريخ وفاة كلوفيس مؤسس المملكة الميروفنجية. واستغرقت القرنين السادس والسابع. حيث كان أبطالها الأوائل أبناء كلوفيس الأربعة الذين أصبحوا يحكمون أربع وحدات سياسية بعد أن قسم أبوهم المملكة بينهم قبيل وفاته. ولكن رغبة البعض في الاستحواذ على ممتلكات البعض كانت وراء الحروب الكثيرة التي دارت بين الإخوة الأربعة. و قد أدت تلك الحروب إلى إنهاك البلاد وإفناء العباد كما يؤكد غريغوار أسقف تور . واستمرت بنفس الحدة فيما بعد خلال فترات حكم أبناء الإخوة و خلال فترات حكم الحفدة. لأن. المملكة ظلت دائما مقسمة إلى عدة وحدات سياسية. و لأن القائمين على أمر تلك الوحدات كانوا يمارسون السلطة، في كثير من الأحيان، تحت تأثير الزوجات الشرعيات و غير الشرعيات اللائي كن يحرضن باستمرار البعض ضد البعض. فأصبح اﻹبن لا يتردد في شن الحرب ضد أبيه والأخ يفعل نفس الشيء ضد أخيه، و القريب ضد أحد أقربائه.
وكانت بعض الحروب تنتهي بتوقيع معاهدات هدنة. ولكن سرعان ما يقوم أحد أطراف الصراع بخرق الهدنة. فتعود المواجهات أدراجها. لأن معظم ملوك القرنين السادس و السابع كانوا، على حد تعبير احد الباحثين، أطفالا كبارا يطبع سلوكهم النفاق و الفجور .
وكان من الطبيعي أن يسقط محاربون (ذكور) من بين محاربي الأطراف المتصارعة، وكذلك ذكور و إناث كبار السن و أطفال من بين الأهالي. و يكفي أن نشير في هذا الشأن بأن صراعا نشب بين الأخوين شلبريك (Chilpéric) و كونطران (Gontran) استغله الدوق ديديي (Didier) فقام بحملة على بلدة بيري (Berry) (وسط شمال غالة) سنة 582. انتهت بمقتل أزيد من "سبعة ألاف محارب" من بين المهاجمين و المدافعين عن البلدة .
ورد الملك كونطران على هذه الحملة بهجوم شنه على قوات أخيه شلبريك أودى بحياة "أكثر من نصف عدد أفراد تلك القوات وأعداد كثيرة من السكان" .
ولم تتوقف الوفيات الناتجة عن الحروب الأهلية عند هذا الحد، بل زادت من حجمها الحملات التأديبية التي كان يقوم بها الملوك ضد سكان بعض الأقاليم. و يمكن اعتبار تلك الحملات شكلا من إشكال الحروب الاهليبة.
وقعت أبرز تلك الحملات خلال عهد الملك شلبريك السابق الذكر الذي كان "نيرون عصره" كما ينعته غريغوار أسقف تور . يجد لذة في التدمير و سفك الدماء. حيث لم يتوان طوال فترة حكمه (561-583) في شن الغارة تلو الغارة على مختلف أقاليم غالة. و كانت إحداها سنة 580، حين اقر ضريبة جديدة مرتفعة القيمة رفض سكان ليموج (Limoges) و أحوازها أدائها. فقاموا بحركة عصيان وهموا يقتل مبعوث الملك. و انتزعوا منه الأمر المكتوب الذي كان يتولوه عليهم و قاموا بحرقه. مما أثار حفيظة الملك الذي بعث فيلقا من محاربيه إلى المنطقة. قاموا بإعدام عدد كبير من السكان بعين المكان بمن فيهم بعض رجال الدين
-المستوى الثاني : الوفيات الناتجة عن الغارات على غالة الميروفنجية.
أصبحت غالة هدفا لسلسلة غارات وعمليات غزو بعد تأسيس المملكة الميروفنجية. وقد مثلت إلى جانب الحروب الأهلية رافدا من روافد الوفاة. لأنها كانت كالصنف الأول من الحروب تنتهي بمقتل عدد من المحاربين المدافعين عن المواقع المستهدفة، بالإضافة إلى عدد من الأهالي من مختلف الأعمار و الأجناس. كما كانت تنتهي بأسر عدد من الرجال و النساء.
حدثت أهم الغارات وعمليات الغزو خلال القرن السادس. وكانت أولاها تلك التي قام بها الثورنجيون (les Thuringiens) حوالي سنة 506-507. حيث انطلقوا من الأراضي الواقعة غرب نهر اﻹلب (l’Elbe) لشن غارات على بعض أقاليم غالة. انتهت بمقتل عدد كبير من الأهالي كما يذكر غريغوار أسقف ثور . الذي يضيف في معرض حديثه عن تلك الغارة، بأن أزيد من مائتي فتاة في مقتبل العمر لقين حتفهن على إثرها . و يتضح من خلال المعلومات التي يمدنا بها نفس المؤرخ في سياق حديثه عن الغارات التي تعرضت لها غالة، آن الدانيين أو الدنماركيين هم الذين دشنوا سلسلة غارات و غزوات عهد ما بعد كلوفيس. إذ استغلوا ظروف انتقال الحكم إلى أبنائه سنة 511، فشنوا حملة بحرية و برية على بعض المراكز الواقعة على سواحل شمال غالة. و توغلوا في ظهير تلك المراكز، حيث عاثوا فيها فسادا و قتلوا عددا من الأهالي، و شحنوا مراكبهم بكميات من الغنائم وعدد من الأسري . وجين هموا بالإبحار باغتتهم قوات بعث بها الملك ثييري (Thierry) ابن كلوفيس يقودها ابنه ثيودبير (Théodobert). فألحقت بهم الهزيمة واستعادت الغنائم و أطلقت سراح الأسري الغاليين.
وعلى غرار الدانيين استغل الهون المستقرين بالأراضي الواقعة في الجزء الأسفل من نهر الدانوب وفاة الملك كلوثير (Clotaire) ابن كلوقيس سنة 561، و كذلك النزاع الدائر بين أفراد الأسرة الحاكمة، وقاموا بغارة على بعض أقاليم غالة. وشرعوا في عمليات تقتيل وتدمير كان من الممكن أن تأتي على الأخضر واليابس لولا أن الملك سجبير (Sigebert) ابن كلوثير وجه إليهم جيشا ألحق بهم هزيمة نكراء وأرغم المتبقين منهم على العودة من حيث أتوا .
ولم يهدا لزعماء الهون بال بعد هذه الهزيمة فاستعدوا لمعاودة الكرة على غالة. حيث شنوا غارة على بعض أقاليمها سنوات قليلة بعد هزيمتهم. شارك فيها هذه المرة عدد اكبر من المحاربين. وهب الملك سجبير شخصيا لملاقاتهم. ولكنه انهزم وفقد عددا كبيرا من محاربيه، كما ورد في رواية غريغوار أسقف تور . بينما فر الباقون بعد أن وقع الملك أسيرا في قبضة المحاربين الهون. ولم يتم إطلاق سراحه إلا بعد أن قبل بتوقيع هدنة مع زعماء الهون؛ التزم فيها بعدم الرد على الهجوم.
ولم يكن السكسونيون أقل عنفا من الغزاة الآخرين. فقد شنوا بدورهم غارة على أقاليم جنوب عالة سنة 570. ساندهم للقيام بها عدد من المحاربين اللومبارديين. ونجحوا في تدمير عدة منشآت وإتلاف الغلات. كما لم يترددوا في قتل من اعترض سبيلهم من شيوخ و نساء وأطفال . وكانوا يستعدون لللاقامة هناك مدة أطول لولا أن جيوش الملك كونطران (Gontran) ابن كلوثير استدركت الموقف. وكان على رأسها القائد الجديد ميمول (Mummole) الذي أبان عن قوة و بسالة نادرتين. إذ قتل "خلقا كثيرا" من المعتدين كما يذكر غريغوار أسقف تور . وأرغم المغيرين الناجين على مغادرة تلك الأقاليم بعد أن جردهم من المتاع الذي استحوذوا عليه.
ولم يستسغ الزعماء اللومبارديون هذه الهزيمة، رغم أن أعداد محاربيهم الذين شاركوا في الغارة السالف ذكرها كانوا قلة، فاعدوا العدة لشن غارة على بعض أقاليم جنوب غالة التي اكتسحوها بالفعل، وخاصة مرسيليا وكرنوبل (Grenoble) وأحوازهما التي عانوا فيها فسادا، وقتلوا أعدادا من سكانها ودوابها حسب شهادة غريغوار أسقف تور . و عندما شرعوا في إحكام الحصار على بلدة إكس بروقانس داهمهم القائد ميمول على رأس جيش كبير. ومرة أخرى أبان عن بسالة قل نظيرها. و رغم أنه فقد الكثير من رجاله، فقد تمكن في النهاية من إفناء الكثير من المغيرين الذين لم تعد منهم إلى ايطاليا سوى فلول قليلة.
- المستوى الثالث : الوفيات الناتجة عن غارات الميروفنجيين خارج غالة.
شن الميروفنجيون سلسلة غارات على أعدائهم طيلة القرنين السادس و السابع. بعضها داخل غالة نفسها ولكن خارج دائرة الأراضي التي كان يشملها نفوذهم. و بعضها خارج "حدود" غالة. و قد حدثت أهم تلك الغارات خلال القرن السادس، كما هو الشأن بالنسبة للغارات التي تعرضت لها غالة. لأن الغارات على غالة الميروفنجية أو الغارات من غالة الميروفنجية على العالم الخارجي كانت تحدث بشكل متعاقب فيما يشبه الفعل ورد الفعل. و لكن أولى الغارات تمت داخل غالة نفسها. وهمت بعض أقاليم النصف الجنوبي التي كانت أجزاء منها في حوزة البورغنديين و القوط الغربيين . وقد تزامنت مع المرحلة الثانية من مراحل تأسيس المملكة الميروفنجية؛ وهي المرحلة التي انتهت إجمالا سنة 511 تاريخ وفاة كلوفيس. علما بأن تداعيات هذه الغارات استمرت بعد السنة المذكورة. أما أهم الغارات التي شنها المحاربون الميروفنجيون خارج غالة، فقد استهدفت كلا من اسبانيا وايطاليا وجرمانيا. وكانت ضد القوط الغربيين واللومبارديين والسكسونيين والثور نجيين.
وتكمن أهمية الحديث عن هذه الغارات بالنسبة للموضوع الذي يهمنا في كونها كانت تنتهي بقتلى و أسرى في صفوف المحاربين الميروفنجيين رغم أنهم كانوا يعودون بالنصر بعد كل غارة. وتختلف الوفيات الناتجة عنها عن الوفيات المترتبة عن النوعين السابقين من الحروب في كون أعداد ضحاياها كانت قليلة. وهذه الأعداد كالنت مشكلة من الذكور بصفة خاصة.
وفي هذا السياق يفيدنا غريغوار أسقف تور بان المحاربين الميروفنجيين شنوا غارة مكثفة على الثورنجيين حوالي سنة 520 . تزعمها الأخوان الملكان ثييري و كلوثير. كادت وقائعها الأولى أن تودي بحياة الملكين اللذان نجيا بأعجوبة من الوقوع في كمائن أعدها الثورنجيون. بينما فقدا "أعدادا كثيرة" من محاربيهما الذين وقعوا في تلك الكمائن أو قتلوا في الاشتباكات .
وكانت الغارة التي شنها الميروفنجيون على ايطاليا سنة 553 مكلفة أيضا. فقد حققوا فيها النصر.ولكن بعد أن تكبدوا خسائر بشرية فادحة بين محاربين قتلوا في المواجهات، ومحاربين توفوا يعد أن انتشرت بينهم حالة حمى قاتلة حسب المعلومات التي يقدمها نفس المؤرخ .
وعلى منوالها كانت الغارة التي شنوها على السكسونيين بجرمانيا سنة 555 مكلفة. إذ يذكر غريغوار أسقف تور في معرض حديثه عنها أن الميروفنجيين فقدوا فيها أكثر من نصف عدد محاربيهم . كما وقع فيها الملك ثيودبالد (Théodobald) ابن كلدوميرClodomir)) أسيرا.
وعاود الميروفنجيون الغارة على ايطاليا سنة 590 بجيش ضخم شارك فيه عشرون دوقا (Ducs). انتقلوا بأنفسهم إلى ايطاليا التي توغلوا في بعض أقاليمها، وهم متجهين نحو موقع المواجهة الذي حدده اللومبارديون على ضفة واد قرب ميلانو. ولكن هؤلاء تراجعوا عن الموقع حين بلغتهم أنباء عن كثافة الجيش القادم. وظل المحاربون الميروفنجيون مرابطين طيلة أسبوع في انتظار المواجهة التي لم تحدث. ورغم ذلك حدثت وفيات في صفوفهم. إذ بدل العودة إلى غالة تفرقوا في أنحاء من ايطاليا للقيام بعمليات سلب و نهب. فتعرض عدد منهم لهجمات خاطفة وقاتلة من قبل اللومبارديين. بينما انتشرت حالة إسهال حاد (une dysenterie) في أوساط محاربين آخرين. أودت بحياة عدد كبير منهم حسب الإفادات التي يقدمها غريغوار أسقف تور في الموضوع .

2- الوفيات الناتجة عن المجاعات والأوبئة وكوارث طبيعية أخرى:
تمثل المجاعات والأوبئة التي شهدتها غالة خلال القرنين السادس والسابع امتدادا لتلك التي شهدتها خلال القرن الثالث في سياق الأزمة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت تتخبط فيها الإمبراطورية الرومانية ابتداء من حوالي سنة 275. وقد خلقت تلك الأزمة، و ما تلاها من أحداث بمناسبة عمليات الغزو الجرماني أرضية خصبة للمجاعات والأوبئة التي أصبحت منذ ذلك التاريخ تظهر باستمرار وتتفشى بسرعة مخلفة عددا من الضحايا من مختلف الأعمار و الأجناس.
وذلك ماحدث في غالة سنة 466 ، حيث ظهر وباء بإقليم أورليان (Orléans) ؛ سرعان ما عم الأقاليم الأخرى. وأودى بحياة أعداد من السكان انضافوا إلى القتلى الذين كانوا يسقطون من جراء الحروب الدائرة في الشمال والجنوب بين عدة قوى، ومن بينها الفرنجة الذين كانوا يقومون آنذاك بمحاولات جادة للسيطرة على أقاليم شمال غالة.
تم تلت هذا الوباء بعد سنوات قليلة مجاعة كانت لحسن الحظ محلية، حيث عمت إقليم بورغونديا (la Bourgogne) وحده. وكان من الممكن أن تكون أعداد ضحاياها مرتفعة، وخاصة في أوساط الفئات المعوزة، لولا البادرة التي قام بها احد النبلاء . إذ يفيدنا غريغوار أسقف تور أن هذا النبيل سخر العربات التي كان يتوفر عليها والأعوان التابعين له لنقل جميع فقراء الإقليم إلى مأوى خصصه لهم قرب مقر إقامته. وإذا صدقنا غريغوار أسقف تور، فقد كان عددهم أكثر من أربعة آلاف فرد بين رجال ونساء وأطفال. سهر على إطعامهم طيلة المدة التي استغرقتها المجاعة ، وبذلك انقدهم من موت محقق.
ويبدو أن أهم الأوبئة التي شهدتها غالة خلال القرن السادس، تمثلت في الوباء الذي حدث سنة 563 وعم العديد من الحواضر والأرياف. وقد كانت مضاعفاته أكثر حدة في بعض المراكز الحضرية مثل ليون (Lyon) وديجون (Dijon) وكلرمون- فرون (Clermont-Ferrand) التي أودى فيها بحياة "عدد كبير من السكان"، حتى انه تعذر إحصاء الضحايا كما يذكر غريغوار أسقف تور .
ونظرا لكثرتهم فقد تعذر إيجاد الثوابيت الكافية، وخاصة في مدينة كلرمون- فرون، ولذلك أصبحت الجثث توارى في حفر كانت تدفن في كل واحد منها أكثر من عشر جثث و يضيف غريغوار أسقف تور في معرض حديثه عن هذا الوباء أن حوالي ثلاثمائة فرد من رجال ونساء سقطوا ضحايا خلال أحد أيام الأحد في كنيسة سان- بيار(Saint-Pierre) بالمدينة. لأن الوباء كان فتاكا لا يمهل المصابين أكثر من يوم أو يومين، وكأنهم تجرعوا سما قاتلا دون أن تظهر عليهم أعراض باستثناء جرح طفيف في ثنية الفخذ (l’aỉne) أو تحت الإبط لوحظ على أجساد بعض الضحايا، وكان يبدو على شاكلة لدغة ثعبان .
وعلى غرار وباء سنة 563 كان الوباء الذي شهدته غالة في صيف سنة 580 عاما بدوره. فقد انتشر في معظم الأقاليم. و كان من الممكن أن تكون أثاره محدودة نسبيا حسبما يستشف من كلام غريغوار أسقف تور . غير أن الذي جعله ذا وقع خطير هو تزامنه مع بداية حرب أهلية بين اﻹخوة شلدبير و كونطران و شلبريك. فأضافت تلك الحرب قتلى إلى ضحايا هذا الوباء الذي انتشر على شكل موجة حمى و إسهال حاد (dysenterie) أصيب بها السكان كبارا وصغارا ذكورا وإناثا.
و يفيدنا غريغوار أسقف تور بأن المصابين كانوا يشتكون قبيل الوفاة من آلام في الرأس والرقبة والكليتين، وآلام في البطن مرفوقة بحالة قيئ مستمر. فتدوم أوضاعهم على ذلك الحال بضعة أيام ثم يسلمون أرواحهم.
و قد ذهب بول أدريان جانسنس، انطلاقا من هذه الأعراض، إلى تصنيف الوباء ضمن خانة ما يصطلح على تسميته في مجال الطب حاليا "بالتفويد' ؛ بينما ذهب الطبيب الباحث جويل بلونديو (Joël Blondiaux)، الذي تبنى مقاربة مختلفة تماما تمثلت في دراسات و تحليلات مختبرية خضعت لها عينات من الهياكل العظمية تعود للفترة الميروفنجية، إلى اﻹعتقاد باحتمال أن يكون ذلك الوباء حالة "مينانجيت" عامة، أو ما بعرف في الأوساط الطبية بالتهاب السحايا الدماغي-الشوكي (une méningite cérébro-spinale)
وبغض النظر عن فصيلة الوباء، فان الذي يهمنا - في سياق هذا العرض- هو أن حصيلته كان من الممكن أن تكون ثقيلة كما يستشف من رواية غريغوار أسقف تور، لولا أن الله هدى الناس –كما يقول- إلى فصيلة من الأعشاب كان الأصحاء يقومون بغليها في كمية من الماء ويقدمونها للمصابين. فخففت ألام بعض الناضجين وتماثلوا للشفاء. ولكن الوصفة لم تنفع مع من دونهم في السن، من "مراهقين" و أطفال، فتوفوا بدون استثناء .
وبعد بضعة أشهر من حدوث هذا الوباء، كانت بعض أقاليم جنوب غرب غالة على موعد سنة 581 ثم سنة 583 مع الطاعون. و يبدو انه لم يحصد هذه المرة سوى أرواح أعداد قليلة حسب شهادة غريغوار أسقف تور . و لكن ما إن أوشك سكان غالة على تضميد جراحهم حتى حلت بديارهم مجاعة سنة 584. عمت كافة الأقاليم و أودت بحياة عدد كبير من السكان ، رغم المحاولات اليائسة التي قامت بها بعض الأسر كخلط الكميات القليلة المتبقية في حوزتها من دقيق مع كميات من مسحوق قشور الفواكه اليابسة لصنع نوع من الأخباز. بل إن بعض الأفراد اضطروا تحت وطأة الجوع إلى اﻹقتتات بالنباتات. و كانت من بينها أعشاب سامة ساهمت هي الأخرى في رفع عدد الوفيات.
وكان على سكان أقاليم الجنوب أن يسلموا أرواحهم مرة أخرى للطاعون سنة 587 كما فعلوا سنة 581 و سنة 583. و كان سكان مرسيليا وأحوازها أكثر المعنيين بهذا الطاعون لأن مرسيليا كانت أول مركز استقبل العدوى القادمة من إسبانيا على متن مركب رسا بميناء المدينة. وما أن أوشك سكان هذه الأقاليم على الانتهاء من تضميد الجراح التي خلفها الطاعون حتى عمت أراضيهم موجة جفاف سنة 590 . أعقبها وباء كانت الخسائر البشرية المترتبة عنه محدودة لحسن الحظ .
وإذا كان سكان حواضر و أرياف غالة قد قدموا عددا كبيرا من الرجال و النساء و الأطفال قرابين للمجاعات و الأوبئة، فقد كان عليهم أن يقدموا أعدادا أخرى لبعض الكوارث الطبيعية التي حلت بديارهم. و قد تمثلت أبرزها في عواصف هوجاء وهزات أرضية.
وفي هذا السياق يفيدنا غريغوار أسقف تور بأن مطلع سنة 534 شهد إبرام تحالف بين الملك شلدبير ابن كلوفيس و ثيودبير إبن أخيه للإطاحة بعرش الملك كلوثير ابن كلوفيس و اقتسام الأراضي التي يحكمها.
وفي الوقت التي عسكرت فيه قوات الملك شلدبير و حليفه ثيودبير استعدادا للقيام بهجوم كاسح في اليوم الموالي، هبت رياح عاتية ودوت رعود قوية فوق سماء المعسكر تساقط على إثرها مطر وابل وقطع من الأحجار أفزعت المحاربين الذين تفرقوا بين راكب وراجل في كل الأنحاء. و حين هدأت العاصفة تم العثور على جثث العديد منهم. بينما لم يتم العثور على أثر لأعداد أخرى منهم.
وخلافا لهذه الكارثة التي يمكن تعدادها ضمن كرامات الأولياء و الصلحاء لأنها وقعت بعد أن زارت كلوتيلد (Clotilde) أم الملوك المتصارعين ضريح سان سارتان (Saint-Martin) وتوسلت من الله أن يقي الغاليين شر حرب أهلية، فإن كارثة سنة 563 كانت واقعية أكثر فيما يبدو لأن نصوصا معاصرة اشتركت مع نص غريغوار أسقف تور في نقل وقائعها .
وقد ورد بشان هذه الكارثة أن مرتفعات محاذية لنهر الرون حدث بها انكسار كالذي يحدث عندما تنجرف الكتل الثلجية. فانفصلت تلك المرتفعات إلى كتلتين. غارت إحداهما في باطن الأرض، ربما من جراء هزة أرضية محدودة، واختفت معها منشات عمرانية ومنازل. كما ذهب ضحيتها العديد من الأفراد و الدواب. و زادت من حجم الخسائر المادية و البشرية مياه النهر التي لم تعد تعترضها أية حواجز فتدفقت كالسيل العارم. وغمرت مساحات شاسعة من الأرض.
ويقيدنا غريغوار أسقف تور في نفس الموضوع بأن مجموعة من الرهبان تتكون من ثلاثين فردا توجهت إلى المنطقة المنكوبة أياما قلائل بعد حدوث الكارثة، فأحس الرهبان حين وصلوا إلى عين المكان بان الأرض تهتز تحت أقدامهم. فتساقطت عليهم شظايا من صخور الكتلة الجبلية التي ظلت على وجه الأرض. قتلت بعضهم، فيما سقط الباقون في هوة عميقة، فلقوا حتفهم جميعا.
واستمرت الكوارث تحصد الأرواح. إذ بعد كارثة سنة 563 شهدت أقاليم جنوب غالة هزة أرضية عنيفة سنة 580. امتد صداها إلى أقاليم شمال اسبانيا. وقد تأثرت من جرائها مدينة بوردو والقرى الواقعة بأحوازها، وكذلك القرى الواقعة على طول مرتفعات البرانس، التي انهارت معظم منشأتها اﻹقتصادية والعمرانية كما قتل العديد من سكانها.

3- الوفيات الناتجة عن أمراض البيئة السائدة (Les maladies endémiques)
يتضح من المعلومات التي يتضمنها مصنف غريغوار أسقف تور أن الأمراض شكلت رافدا أخر من روافد الوفاة في غالة خلال القرنيين السادس والسابع. وتترك تلك المعلومات اﻹنطباع بان حصيلة الوفيات المترتبة عنها كانت مرتفعة، رغم أن غريغوار أسقف تور لا يقدم أرقاما تؤكد ذلك. ويبدو هذا المنحى منطقيا انطلاقا من اعتبارين:
أولهما: أن الأمراض كانت تؤدي في أغلب الأحيان بالمصابين إلى الوفاة مباشرة عكس ما هو عليه الأمر حاليا، حيث إن المريض قد يتماثل للشفاء، وقد يتوفى ولكن بعد فترة مرض قد تطول أو تقصر.
وثانيهما: أن الأوضاع الصحية والمعيشية لأفراد المجتمع كانت متردية بشكل كان يجعلهم مؤهلين للإصابة بسرعة. كما كانت تلك الأوضاع تساعد على تفشي الأمراض وانتشار عدواها بين الكبار والصغار وفي سائر الأقاليم؛ إلى درجة أن أنواعا من الأمراض كانت تأخذ طابعا وبائيا. وهذا ما سنحاول توضيحه بإيجاز.
- فبخصوص اﻹعتبار الأول، نذكر أن الوفاة عقب حالة مرض كانت مصيرا محتوما بالنسبة لمن يصطلح على تسميتهم "بالعامة"، أي السواد الأعظم من أفراد المجتمع، إلا القلائل ممن اخذ الله بيدهم. ويعود ذلك لأسباب ودواعي لا يسمح المجال باستعراضها تتعلق بالأوضاع الاقتصادية عموما. أما بالنسبة لأفراد الأسرة الحاكمة وأفراد الارستقراطية، فقد كان من الممكن تجنب المرض. وحين يصاب به أحدهم كان من الممكن أن يتماثل للشفاء. ومع ذلك، فإن المعلومات التي يقدمها غريغوار أسقف تور تفيد بأن معظم المرضى من أفراد الأسرة الحاكمة أو من أفراد الارستقراطية كانوا يلقون نفس مصير المرضى من أفراد العامة. لذلك كان ينتاب الملك قلق شديد ويستولي عليه اليأس حين يلم به المرض أو حين يصاب أحد أبنائه، لأنه يعلم أن المرض يؤدي بالمصاب إلى الوفاة.
فقد حدث أن ألم مرض، لم يوضح غريغوار أسقف تور طبيعته، باﻹبن البكر للملك كلوفيس، أودى بحياته رغم المحاولات التي تم بذلها لعلاجه . وعندما ألم المرض بعد مدة بابنه الثاني، امتلكه القلق وأدرك انه سيلحق بأخيه. ولم يصدق حين امتثل اﻹبن للشفاء. بينما رأت كلوتيلد زوجة الملك في شفاء ابنها هبة ربانية .
ومثل هذا التصور الذي كان يربط بين الموت والمرض كان نابعا من الحقيقة المعاشة. فقد توفي ابن كلوفيس، كما ذكرنا، رغم المحاولات التي بذلت لتجنب هذا المآل. وحدث أيضا إن الم مرض بالملك ثيدوبير (Théodobert) سنة 548. ألزمه الفراش عدة أشهر. بذل الأطباء خلالها جهودا لشفائه، ولكنه اسلم الروح .
وفي نفس السياق يفيدنا غريغوار أسقف تور بان مرضا الم بالملك ثيدوبالد (Théodobald) أصيب على أثره بشلل نصفي، فلم يعد قادرا على الحركة. ثم توفي بعد فترة قصيرة . ولقيت زوجة الملك كونطران نفس المصير سنة 580 بعد إصابتها بإسهال حاد لم ينفع معه دواء .
وإذا كانت النماذج التي استعرضناها لا تهم سوى أفراد الأسر الحاكمة، فقد تعمدنا انتقاءها لنوضح بان العيش الرغيد والعافية التي كان ينعم بها الملوك و أفراد أسرهم لم يكونا يمنحانهم حصانة كافية ضد المرض.
وهكذا كان الأطفال المنتمين لتلك الأسر، والناضجون ذكورا وإناثا يصابون بالأمراض السائدة في عصرهم وفي بيئتهم. والأهم من ذلك أن الأمراض كانت تزهق أرواحهم كما كانت تفعل بعموم أفراد المجتمع.
- أما بخصوص اﻹعتبار الثاني، فنشير إلى أن المعلومات التي يقدمها غريغوار أسقف تور في مصنفه عن حالات الحمى الجماعية، و ألام الرأس والقيء و الإسهال و التشنجات و تغير لون بشرة المصابين، كلها أعراض تفيد بأن أبرز الأمراض التي انتشرت في غالة خلال القرنين السادس و السابع يحتمل جدا أن تكون ما يعرف اليوم في مجال الطب و علم الأوبئة بالبالوديسم (le paludisme) و التفويد و المينانجيت و مرض سل العظام (la tuberculose ostéo-articulaire).
و يبدو أن حصانة السواد الأعظم من أفراد مجتمع غالة كانت دون المستوى. لأنهم عاصروا فترة زمنية كانت فيها مصادر الإصابة كثيرة. تمثلت في وجود بعض العناصر المفسدة للماء و الهواء بالإضافة إلى سوء الأوضاع الصحية السائدة و تدني مستوى المعيشة. فكانوا لسوء حظهم يسقطون مرضى من جراء أية إصابة.
فعلى مشارف القرى والمراكز الحضرية كانت توجد الغابة التي كانت تغطي معظم أقاليم غالة كما ذكرنا سابقا ، بالإضافة إلى وجود مستنقعات كانت منتشرة في عدة جهات. وهذه الفضاءات كانت مرتعا للهوام والزواحف والحشرات الناقلة للجراثيم المسببة للأمراض.
وعلى مقربة من المساكن كانت توجد الاصطبلات ومرابط الدواب والأماكن التي يلقى فيها روث هذه الدواب. وهذه الفضاءات تتجمع فيها مواد وسوائل مسببة للأمراض (des matières et des liquides pathogènes)؛ إذ تتولد فيها جراثيم وطفيليات يطأها الإنسان كل يوم، وينقلها إلى مسكنه أو إلى الكنسية. كما تساهم في نقلها الحيوانات الأليفة (وأهمها الكلاب)، والرياح. فتحدث من جراء ذلك الإصابة.
وغالبا ماكانت الإصابة الفردية، أو الإصابة التي تلحق بعدد محدود من الأفراد، تتحول إلى عدوى أو إلى وباء محلي أو عام. و يحدثنا غريغوار أسقف تور في هذا الشأن عن حالات حمى أصابت فردا من الخاصة أو من العامة هنا وهناك. كما يحدثنا عن حالات أصابت مجموعة أفراد وعن حالات تحولت إلى وباء محلي.
فقد حدث أن خرج الملك كلوثير يوما للقنص في إحدى غابات ضواحي باريس، فعاد على غير عادته يشكو من صداع في رأسه. وما أن وطأت قدماه بهو القصر حتى انتابته حمى وارتفعت درجة حرارة جسمه، وسقط لتوه صريعا .
وإذ لم تمهل الحمى الملك كلوثير، فقد أمهلت قليلا رجلا من سكان مدينة بواتيي (Poitiers). غادر المدينة بنية التوجه إلى باريس فأحس وهو في الطريق بصداع. وانتابته حمى عنيفة، أودت به وهو على مشارف باريس .
وكان نفس الداء سببا في وفاة عدد من المحاربين الميروفنجيين، الذين توجهوا إلى ايطاليا سنة 539 بهدف شن غارة على بعض أقاليمها. فانتشرت يبن صفوفهم حالة حمى قبل القيام بالغارة. أودت بحياة عدد منهم .
وعلى غرار الحمى كانت حالات الإسهال تنتاب فردا أو مجموعة أفراد، وأحيانا كانت تتحول إلى وباء، كما حدث سنة 586، حين تفشى هذا الداء بين العديد من الرجال والنساء والأطفال بمدينة متز (Metz) فلقوا حتفهم نتيجة الإصابة .

نستطيع في ضوء المعطبات التي تضمنها هذا العرض، الذي عالجنا فيه ظاهرة الوفيات في غالة الميروفنجية، استخلاص الملاحظات التالية:
أولا: تفيد تلك المعطيات بأن غالة الميروفنجية كانت ميدانا احتدم فيه الصراع بين الحياة والموتـ. وقد كانت الغلبة لصالح الموت الذي حصد الكثير من الرجال والنساء والأطفال رغم أن المصنف الذي اعتمدناه لايتضمن أرقاما تسمح بقياس معدل الوفيات الخام. و إن ما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بغلبة كفة الموت هو أن جميع الأسباب المؤدية للفناء تواجدت خلال فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز قرنان من الزمان. فأدت إلى حدوث تلك الوفيات وخلقت في نفس الوقت ظرفية غير مساعدة على حدوث ولادات كافية لتعويض نسبة الوفيات.
ثانيا: تمثل الفترة التي عالجها العرض مرحلة بلغ فيها مستوى الوفيات أعلى مراحل تطوره منذ أن أخذ في الارتفاع عند نهاية القرن الثالث. وإن الذي جعل الوفيات تصل إلى ذلك المستوى وخلال ذلك الحيز الزمني بالذات هو تظافر مجموع الأسباب التي توقفنا عندها، وإن بدت الحروب أكثر تلك الأسباب فعالية.
ثالثا: ورغم ذلك، فان معاجلة ظاهرة الوفيات تقتضي تبني رؤية شاملة، تقوم على ربط حجمها وتطورها واتجاهاتها بكل الأسباب المحتملة التي يجب أن تتنوع بين السبب السياسي و العسكري والاقتصادي والبيئي والمناخي والصحي؛ وان الإطار البيوجغرافي والتاريخي هو وحده الذي يجب أن يحدد الأولوية المعطاة لتلك الأسباب.
رابعا: تستدعي دراسة من هذا القبيل، وخاصة عند توفر المعطيات الرقمية، أو الشواهد المادية (متمثلة في الهياكل العظمية بشكل خاص) التمييز بين الوفيات من حيث الفئات الجنسية (الذكور والإناث) و من حيث الفئات العمرية (الأطفال والكهول والشيوخ)؛ لأن الأفراد المتوفين يختلفون من
حيث الجنس ومن حيث العمر تبعا لاختلاف الأسباب المؤدية للوفاة.
و لتوضيح هذا الأمر نشير إلى أن الحروب كانت تترتب عنها خلال الفترة موضوع البحث، و خلال العصر الوسيط عموما، وفيات في صفوف الذكور أكثر من الوفيات في صفوف الإناث. كما أن أنواعا من الأمراض كانت تترتب عنها وفيات في صفوف الأطفال أكثر من الوفيات في صفوف الكبار.و هذا ما أوضحه جويل بلونديو و فريقه بعد المعاينة المختبرية، التي أحلنا عليها سابقا ،و التي لا بأس من الوقوف عند أبر الخلاصات التي انتهت إليها بالنظر إلى أهميتها و صلتها المباشرة بموضوع هذا العرض.
فقد قام فريقه بعمليات تنقيب بين سنتي 1997 و 1982 في مقبرة ميروفنجية تقع بقرية فانسيكوم أو فينشي (Vinciacum ou Vinchy) الواقعة على بعد 10 كلمترات إلى الجنوب الغربي من كامبراى (Cambrai). و أفضت تلك العمليات إلى الكشف عن 269 هيكل عظمي أدمي خضعت لفحوصات و تحليلات مختبرية. أسفرت عن الخلاصات الآتية :
- 63 هيكلا لم يتم التحقق من فصيلتها الجنسية و العمرية.
- 6 هياكل أنثوية، و هيكل واحد لذكر، و 8 هياكل لأطفال لم يتمكن الفريق من تحديد عمرها (سنها) عند الوفاة.
- أمكن تحديد العمر(أو السن) عند الوفاة ل 62 هيكلا ذكرا، و ل 61 هيكلا أنثويا، و ل 56 هيكلا لأطفال.
- نسبة الوفيات في وسط الأطفال بلغت 24 بالمائة.
- 50 بالمائة من مجموع الإناث توفين قبل أن يبلغن سن 29 سنة بقليل.
- نسبة المتوفين من الذكور في سن الستين (60) سنة لم تتجاوز عتبة 4 بالمائة. بينما بلغت هذه النسبة في أوساط الإناث أكثر قليلا من 6 بالمائة.
و يبدو أن أهم خلاصة أفضت إليها المعاينة هي أن سكان غالة لم يكونوا يعمرون طويلا خلال القرنين السادس و السابع. فلا أحد من الذكور أو الإناث الذين تمت مواراة جثامينهم في مقبرة "فانسيكوم" تجاوز عمره عند الوفاة عتبة السبعين (70) سنة. بل الأدهى من ذلك هو أن متوسط السن عند الوفاة لم يتجاوز في أوساط الإناث 31.5 سنة ، بينما بلغ هذا المتوسط في أوساط الذكور 41 سنة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الوفيات في غالة الميروفنجية من خلال كتاب تاريخ الفرنجة لغريغوار أسقف تور
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب :: منتديات التاريخ الإسلامي والوسيط :: منتدى التاريخ البيزنطي-
انتقل الى: