المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب
الصديق العزيز نرجو منك الانضمام إلى أسرتنا، ننتظر تسجيلك

المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب

نحترم كافة الآراء ولا نقيدها - المقتطف المصري - دعوة لاحترام الرأي الآخر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
|||::--:Neutral|| ندعوكم مثقفي العرب ومؤرخي أمتنا إلى المساهمة في إثراء منتدى المقتطف المصري بمقالاتكم التاريخية التي بالتأكيد ستزيد من قيمة المنتدى
|||::--:Neutral|| كما ندعوكم للكتابة في مجلة المقتطف المصري الإليكترونية ملتقى شباب المؤرخين العرب
|||::--:Neutral|| تحيات إدارة المقتطف المصري بقضاء وقت ممتع على صفحات منتدانا ويسعدنا استقبال مقترحاتك

شاطر | 
 

 مدينة نابلس وسكانها في أعين الرحالة فرانسوا ميشو والأخوين بوجولا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
يوسف نكادي




مُساهمةموضوع: مدينة نابلس وسكانها في أعين الرحالة فرانسوا ميشو والأخوين بوجولا   الجمعة 22 فبراير 2013, 10:07 pm

y.ngadi55@hotmail.fr
مدينة نابلس و سكانها
في أعين الرحالة فرانسوا ميشو و الأخوين بوجولا




شكلت فلسطين محطة من بين محطات المشرق التي شد الأوربيون إليها الرحال منذ
العصور القديمة.
ويبدو أن الفرنسيين مثلوا نسبة كبيرة منهم. فقد جبلوا على حب الترحال الذي غدا بعد الحروب الصليبية تقليدا من ضمن تقاليدهم. وتزايدت وتيرته ليبلغ الذروة خلال القرن التاسع عشر، حيث ارتفع عدد الرحالة وتكاثرت أدبيات الرحلة؛ حتى أن أحد الباحثين المعاصرين خص الذين قاموا من الفرنسيين برحلات إلى المشرق خلال هذه الحقبة التاريخية بأنطلوجية تجاوزت ألفا ومائة صفحة .
ومن المفيد التذكير في هذا المقام بأن تسمية "الشرق" (l’Orient) الواردة في عناوين مؤلفات الرحالة الفرنسيين كانت تطلق خلال القرن التاسع عشر على المجال الجغرافي الممتد على سواحل شرق البحر المتوسط ؛ و يشمل اليونان و تركيا و سوريا و فلسطين و مصر. و تمثل مدينة القسطنطينية مركز هذا المجال.
وقد شد الرحال إلى المشرق (الشرق) رحالة فرادى و جماعات، منهم الحجاج و المبشرون و التجار. و انضم إليهم نفر من الأدباء و المفكرين، الدين تجشموا عناء السفر إلى هذه البقاع تحذوهم الرغبة في زيارة الأماكن المقدسة و في تحقيق المعرفة و إشباع النزوات. و لكن سرعان ما أصبحت هذه المعرفة تنحو منحى الايديولوجيا التي أخذت تميز الفكر الكلنيالي الفرنسي مع تنامي المد الاستعماري.
ومن بين أشهر الأدباء و رجال الفكر الذين زاروا المشرق خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، و أدرجوا فلسطين ضمن مسار رحلاتهم، الروائي و الأديب فرانسوا- روني دو شاتوبريان (François-René de Châteaubriant) الذي قام برحلة إلى المشرق سنة 1806 ، وحل بفلسطين في شهر أكتوبر من السنة المذكورة، و الشاعر الروائي ألفونس دو لامارتين (Alphonse de Lamartine) الذي زارها في أكتوبر 1832 في إطار رحلته إلى المشرق بين سنتي 1832 و 1833 ، و الكاتب الروائي غوستاف فلوبير (Gustave Flaubert) الذي قام هو الآخر بزيارة فلسطين في غشت 1850 خلال رحلته إلى المشرق بين أواخر سنة 1849 و مطلع سنة 1851 .
وفي هذا الإطار تندرج أيضا الرحلة التي قام بها جوزيف- فرانسوا ميشو (Joseph-François Michaud) رفقة مساعده جون جوزيف- فرانسوا بوجولا (Jean Joseph-François Poujoulat)، و الرحلة المكملة لها، التي قام بها باتستان بوجولا (Baptistin Poujoulat)، أحد إخوة جون جوزيف- فرانسوا. و هاتان الرحلتان، اللتان قام بهما، مفكرون يشتغلون بصناعة التاريخ، هما اللتان يهمنا أمرهما في هذا العرض، على اعتبار أن الرحالة الذين قاموا بهما زاروا مدينة نابلس و دونوا معلومات و معطيات غزيرة نسبيا عنها و عن سكانها تضمنتها المذكرات التي نشروها عقب الرحلتين في صيغة كتابين من عدة أجزاء؛ يعرف الأول "بمراسلة من الشرق" Correspondance d’Orient) ) و يعرف الثاني "بسفر في آسيا الصغرى" Voyage dans l’Asie mineure) ). و من هذا المنطلق يعتبر الكتابان وثيقة هامة و يكتسيان قيمة بالغة بالنسبة للباحث في تاريخ مدينة نابلس ومحيطها خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.
سنحاول في شق أول من هذا العرض، التعريف بالرحالة الثلاث، و التعريف بالكتابين و التطرق إلى السياق الذي تمت فيه الرحلتان إلى فلسطين. ثم سنستعرض في شق ثان معالم الصورة التي قدمها الرحالة عن مدينة نابلس وعن سكانها.

أولا : في التعريف بالرحالة و بنصي الرحلتين و في السياق الذي تمت فيه الرحلتان إلى فلسطين

1- في التعريف بالرحالة
يعتبر جوزيف- فرانسوا ميشو قطب الرحلتين، على اعتبار أنه هو الذي قرر القيام بالرحلة الأولى، و لا شك أن أمر القيام بالرحلة الثانية المكملة لها يعود أيضا إليه. و قد كان اكبر الرحالة الثلاثة سنا عند الشروع في القيام بالرحلة الأولى، في ماي 1830، حيث كان عمره ينيف عن الستين سنة.
فقد ولد يوم 19 يونيو 1767 ببلدة ألبنس (Albens) بإقليم ساڤوا (la Savoie)، الواقع شمال غرب جبال الألب. قضى طفولته بهذه البلدة، و بها تلقى تعليمه الأولي بإحدى المؤسسات الدينية.
وغادر مسقط رأسه، و هو ابن الثانية و العشرين ليلتحق بباريس التي انخرط بها في العمل الصحفي و السياسي، حيث ساهم في تحرير مجموعة من الجرائد و المطبوعات المساندة للملكية. عبر فيها عن تأييده للملكية و مساندته لأسرة آل بوربون و مناوئته لسياسة بونابارت. و من أجل ذلك زج به في السجن، و استطاع عند اقتياده إلى المحكمة أن يلوذ بالفرار بمساعدة بعض الدركيين. فصدر في حقه حكم بالإعدام غيابيا في أكتوبر 1795.
لجأ إلى سويسرا التي أنشأ بها، بمساعدة أحد إخوانه، مطبعة اختصت في طبع و نشر المؤلفات الدينية و المطبوعات المؤيدة للملكية. ثم عاد بعد فترة من الزمن إلى باريس ليواصل مشواره السياسي كأحد أبرز المدافعين عن الملكية. فعين تبعا لذلك مقرئا في القصر بين سنتي 1813 و 1827، تاريخ إقالته من قبل الملك شارل العاشر بسبب مطالبته بإقرار حرية الصحافة. كما انتخب خلال فترة مزاولته لهذه المهمة نائبا في الجمعية الوطنية بين سنتي 1815 و 1816 . و تحمل أيضا مسؤولية رئاسة تحرير الصحيفة المسماة "اليومية" (la Quotidienne). و ظل يشغل هذا المنصب حتى تاريخ وفاته في آخر شهر شتنبر من سنة 1839.
دخل ميدان التأليف العلمي منذ سنة 1805، بعد أن كان قد نشر مجموعة من النصوص الشعرية و بعض الكتابات النثرية التي أبدى فيها استعدادا للتأليف في مجال أدب الرحلة و التاريخ و التراجم.
ومن أشهر مؤلفاته كتاب "تراجم عامة" (Biographie universelle) المؤلف من أكثر من 40 جزءا. و قد شرع في نشر أجزائه الأولى سنة 1806. و هذا الكتاب هو الذي فتح له أبواب الأكاديمية الفرنسية، التي انضم إليها في غشت 1813 . و من أشهر تآليفه في حقل التاريخ : كناب "مكتبة الحروب الصليبية" الذي أصدره سنة 1829، و كتاب "تاريخ الحروب الصليبية" الذي أصدره بين سنتي 1812 و 1822. و يقع في ستة أجزاء؛ و هو المؤلف الذي ارتأى، قبيل سنة 1830، إثراءه و تنقيحه قبل نشره في طبعة جديدة. و لذلك قرر القيام برحلة إلى المناطق التي كانت ميدانا للحروب الصليبية قصد معاينتها عن كثب، وضبط أسماء المواقع. و في شهر ماي من السنة المذكورة شرع في القيام بتلك الرحلة رفقة زميله و مساعده جون جوزيف- فرانسوا بوجولا.
ولد جون جوزيف- فرانسوا بوجولا يوم 28 يناير 1808 بإحدى مقاطعات جبال الألب، و توفي في الخامس من يناير 1880. تلقى تعليمه في بعض مؤسسات اكس- بروڤونس (Aix-en-Provence) بجنوب فرنسا ثم انتقل إلى باريس و هو ابن العشرين، حيث انخرط في العمل الصحفي و البحث التاريخي. و بعد فترة وجيزة من حلوله بباريس التقى بجوزيف- فرانسوا ميشو الذي طلب منه مساعدته في تحرير مؤلف "مكتبة الحروب الصليبية". و حين قرر ميشو الرحيل إلى المشرق في ماي 1830 طلب منه مرافقته في الرحلة.
وقد اقتحم هو الآخر ميدان السياسة، مثل رفيقه ميشو فانتخب سنة 1848 نائبا بالجمعية الوطنية بوصفه ممثلا لمنطقة مصب نهر الرون التابعة ﻹكس- بروڤونس. و ظل يعاد انتخابه حتى سنة 1851 .
ترك بوجولا عدة مؤلفات من بينها كتاب "تاريخ أورشليم" (Histoire de Jérusalem) الذي أصدره بين سنتي 1840 و 1842، و كتاب "تاريخ القديس أوغسطين : حياته و مؤلفاته" الذي نشره سنة 1844، و كتاب "مراسلة من الشرق" الذي أنجزه بالاشتراك مع ميشو.
أما باتستان بوجولا، "بطل" الرحلة الثانية، فلم يكتب له أن يعمر طويلا، حيث ولد سنة 1809 و توفي سنة 1864.
قضى معظم حياته في الاشتغال بصناعة التاريخ. و قد أنجز مجموعة من المؤلفات من بينها كتاب "الحقيقة حول سوريا و الحملة الفرنسية" (La vérité sur la Syrie et l’expédition française) الذي أصدره سنة 1861، و كتابا من جزئين حول "تاريخ الباباوات منذ القديس بطرس" (Histoire des Papes depuis Saint-Pierre) أصدره سنة 1862، و كتابا استحضر فيه ذكريات الرحلة التي قام بها إلى المشرق بعد مرور قرابة ربع قرن على قيامه بها، اختار له كعنوان "حكايات و ذكريات سفر إلى الشرق" (Récits et souvenirs d’un voyage en Orient)، و هو كتاب منشور بدون مقدمة أو تصدير يتضمن معلومات و انطباعات حول المدن و القرى التي زارها، ومن بينها مدينة نابلس، و لذلك سندرج في العرض ما يتضمنه من معلومات عن هذه المدينة وعن سكانها، و سنعتبره نصا ملحقا بالكتاب المشار إليه آنفا (أي كتاب سفر في آسيا الصغرى).

2- في التعريف بنصي الرحلتين
تنتمي المادة الأساسية التي سيتشكل منها متن هذا العرض إلى كتاب أول هو "مراسلة من الشرق"، وكتاب ثان هو "سفر في آسيا الصغرى"، و كتاب " حكايات وذكريات..." الذي اعتبرناه نصا ملحقا بالكتاب الثاني كما ذكرنا ذلك في الفقرة السابقة.
يقع الكتاب الأول في سبعة أجزاء، و يتألف في المجموع من حوالي 3460 صفحة من القطع الكبير. صدرت طبعته الأولى في باريس بين سنتي 1833 و 1835 ضمن منشورات الناشر و الكتبي ديكولي (Ducollet). و هو عبارة عن مجموع (un recueil)، أو سجل ضخم يضم مجموع الرسائل التي كان يبعثها ميشو إلى أصدقائه بفرنسا خلال الفترة التي استغرقتها رحلته إلى المشرق بين سنتي 1830 و 1831. و هذا ما يبرر عنوانه : "مراسلة من الشرق" (Correspondance d’Orient)
يعبر ميشو في مقدمة الكتاب عن أسفه للقراء في كونه اكتفى بعد عودته من الرحلة بجمع تلك الرسائل و تنقيحها و نشرها. و يضيف بأنه كان يصبو في البدء إلى انجاز مؤلف مفصل يستجيب للمواصفات التي يتطلبها أي بحث أكاديمي من أبواب و فصول و ما إلى ذلك، غير أن ظروفه الصحية، و أسبابا أخرى "مؤسفة" لم يفصح عن طبيعتها، لم تسمح له بتحقيق هذا المشروع الطموح .
وعموما، فان تلك الرسائل تمثل خلاصات مشاهدات ميشو و بوجولا و ما عبرا عنه من أحاسيس و انطباعات عن السكان، وعن الحواضر و القرى التي عبراها أو التي أقاما بها ردحا من الزمن. و قد تضمنت الرسائل، في سياق عرض تلك المشاهدات و الأحاسيس و الانطباعات، فيضا من المعلومات التاريخية و الجغرافية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، و ما إلى ذلك من معلومات حول عادات و تقاليد أولائك السكان و سلوكياتهم و أنماط تفكيرهم.
وتتوزع مجموع الرسائل التي تضمها الأجزاء السبعة التي يتألف منها الكتاب كما يلي :
1- يتضمن الجزء الأول الرسائل التي كتبها ميشو منذ انطلاق الرحلة من مدينة تولون (Toulon) الفرنسية حتى الوصول إلى مدينة طروادة.
2- يضم الجزء الثاني الرسائل التي أرسلها من ضفاف الدردنيل، ومن مدينة القسطنطينية.
3- يضم الجزء الثالث الرسائل التي كتبها، و هو في طريق الرحلة بين القسطنطينية و بيت المقدس.
4- يضم كل من الجزء الرابع و الجزء الخامس و الجزء السادس و الجزء السابع الرسائل التي كتبها من فلسطين و سوريا و لبنان و مصر.
ومن هنا يتضح بأن ثلثي مادة الكتاب تهم المشرق العربي. و يقع نصيب فلسطين من هذه المادة في الجزء الخامس الذي يتضمن خمس رسائل كتبت من القدس، وما بين رسالة أو رسالتين كتبت من كل من بيت لحم، و يافا، و غزة، و الناصرية. بينما كان حظ مدينة نابلس رسالة واحدة (هي الرسالة رقم 135) و تقع في 22 صفحة، 7 صفحات منها يتحدث فيها ميشو عن حطين وعن موقعتها الشهيرة خلال الحروب الصليبية.

يتألف الكتاب الثاني من مجلدين، و يقع في 1070 صفحة (من بينها مقدمة في 12 صفحة ذات ترقيم مستقل). و قد تم نشر مجلده الأول سنة 1840، بينما نشر مجلده الثاني في السنة الموالية. و صدر الكتاب ضمن منشورات نفس دار النشر التي أصدرت كتاب "مراسلة". كما جاء متنه هو الآخر على شكل "مجموع" (un recueil) مؤلف، في معظمه، من الرسائل التي كان يبعثها باتستان إلى أخيه جون جوزيف- فرانسوا.
يضم المجلد الأول الرسائل التي بعث بها من بعض مدن اليونان و مدن منطقة الأناضول، بينما يضم المجلد الثاني الرسائل التي بعث بها من مصر و سوريا و فلسطين. و قد ورد الحديث عن مدينة نابلس ضمن هذا المجلد في جزء من رسالة تحمل رقم 31 و تمتد من الصفحة 330 إلى الصفحة 352، وهي رسالة بعث بها إلى أخيه جون جوزيف- فرانسوا بوجولا. و ورد الحديث أيضا عن هذه المدينة في جزء من رسالة موالية، تحمل رقم 33 و تمتد من الصفحة 390 إلى الصفحة 490 ؛ وهي رسالة بعث بها باتستان إلى رجل دين يدعى سيبور (Sibour) أستاذ تاريخ المؤسسات الكنسية بجامعة اكس- بروڤونس.

أما الكتاب "الثالث" الذي اعتبرناه ملحقا بالكتاب الثاني، فقد صدر سنة 1848 صمن منشورات دار النشر "مام" (Mame) بمدينة تور (Tours) الفرنسية. و يتألف من 284 صفحة من القطع الكبير. ولا يتضمن أية مقدمة أو تصدير.
والكتاب عبارة عن أربعين نصا، وكل نص يحمل عنوانا. و ردت تلك النصوص متسلسلة وفق أرقام رومانية و جاءت في صيغة حكي مسترسل، مسهب أحيانا و قصير في أحايين أخرى. بدأه باتستان بحديث عن مدينة أثينا و أنهاه بحديث تحت عنوان : "ذكريات تاريخية عن صحراء العريش و غزة" و بينهما أحاديث و سلسلة انطباعات حول مدن أو أشخاص.
وقد تضمن الكتاب نصوصا حول بعض مدن فلسطين كالقدس و بيت لحم. و تضمن نصا من ست صفحات، هو النص رقم 33، تحت عنوان : "نابلس و السامريين". معظم مادته عبارة عن إعادة لما ورد في الرسالة 33 التي يتضمنها المجلد الثاني من كتابه السالف الذكر، لذلك سنكتفي بالإحالة على هذا النص عند اعتمادنا على المجلد الثاني من كتاب "سفر في آسيا الصغرى".

3- السياق العام الذي تمت فيه الرحلتان والدواعي التي كانت و راء القيام بهما
نوضح في مستهل هذه الفقرة بأن الرحلتان تندرجان عموما في سياق الرحلات التي دأب الفرنسيون على القيام بها إلى المشرق(و من ضمنه فلسطين بطبيعة الحال). و قد غدت تلك الرحلات تقليدا بعد الحروب الصليبية، وارتفعت وتيرتها منذ مطلع القرن التاسع عشر كما ذكرنا في مقدمة هذا العرض. و يعزو الباحث غي كلازكا (Guy Galazka) هذا الارتفاع إلى ثلاثة أسباب رئيسية أولها بداية انفتاح فلسطين، أكثر فأكثر، على الغرب ابتداء من مطلع القرن المذكور، وثانيها تحسن سرعة المراكب البحرية و انتظام الرحلات بين موانئ فرنسا و مرافئ فلسطين، و ثالثها تحسن مرافق الاستقبال في المدن الفلسطينية. و لهذه الأسباب و لغيرها، انضم إلى "مواكب الحجيج" عدد من الأدباء، الذين كانوا يتوقون إلى زيارة البقاع المقدسة، أو يتوقون إلى معاينة سحر مدن و قرى المشرق الذي سمعوا أو قرأوا عنه، فأخذوا يشدون الرحال إليها لمعاينة ذلك السحر عن كثب و لاستكمال معارفهم التي تضمنتها المؤلفات التي نشرها كل واحد منهم عقب الرحلة.
وتبدو هذه الرغبة في تحصيل المعرفة أكثر وضوحا في رحلتي ميشو و الأخوين بوجولا لاعتبارين : يتمثل الأول في كون الرحالة الثلاث ينتمون لحقل البحث التاريخي، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، و هو حقل يتسم بغلبة التفكير العلمي على المنتسبين إليه، و حرصهم على التحري لبلوغ الحقيقة. و يتمثل الثاني في كون الرحلتين تمتا في مرحلة من تاريخ فرنسا (و غرب أوربا عامة) أصبح فيها الدافع العلمي-المعرفي من بين الدوافع القوية التي أملت القيام برحلات هذه المرحلة. و هذا ما أوضحه فرانسوا لابلانش (François Laplanche) في مقال نشره سنة 2000، يستفاد منه بأن رحلات الفرنسيين إلى فلسطين كانت وراءها بواعث دينية خلال العصر الوسيط ، ثم أصبح يدفع للقيام بها خلال القرون 16 و 17 و 18 حب الاستطلاع، و ابتداء من مطلع القرن 19 أصبحت وراء القيام بها دوافع علمية-معرفية تأكد تأثيرها بعد الحملة على مصر .
وما نذهب إليه بخصوص هذا الداعي العلمي-المعرفي، تفصح عنه إلى حد ما مقدمة الجزء الأول، و مقدمة الجزء الثاني من كتاب "مراسلة من الشرق". و تؤكده بوضوح أكثر مقدمة كتاب "سفر في آسيا الصغرى"؛ حيث تفيد هذه المقدمات بأن الرحلتان كانت ورائهما دواع علمية في المقام الأول.
فقد ذكرنا فيما مضى أن ميشو ارتأى القيام بتحريات في الميدان الذي شهد وقائع الحروب الصليبية قبل القيام بنشر طبعة جديدة للموسوعة التي أنجزها تحت عنوان "تاريخ الحروب الصليبية". وبعد مضي بضع سنوات عن تلك الرحلة اتضح لميشو بأن "خارطة جغرافية الحروب الصليبية" التي كان يسعى لرسم معالمها غير متكاملة لأن مناطق أخرى تأثرت بمجريات تلك الحروب لم يقم و مساعده بوجولا بزيارتها ، لذلك طلب هذا الأخير من أخيه باتستان زيارتها للقيام بتحريات فيها. و يعبر باتستان بوجولا عن ذلك بقوله : "اتضح من خلال تصفح كتاب "مراسلة من الشرق" بأن ميشو، الذي عبر البحار لزيارة ميدان الحروب الصليبية، لم يتمكن من استكشاف جميع الأمكنة التي تأثرت بهذه الحملات الكبرى. و من ثم، تبين بأن جغرافية الحروب الصليبية ظلت تشوبها بعض النقائص..." و يضيف قائل في موضع آخر : "حين انطلقت في اتجاه الشرق سنة 1836 كنت مزودا بنصائح و تعليمات السيد ميشو . فقد سافرت، أنا بدوري، لحساب تاريخ الحروب الصليبية. و قد قمت بالتطواف في جميع مناطق آسيا الصغرى، و بلاد الرافدين و سوريا الشرقية، و بين يداي المصنفات الإخبارية القديمة و مؤلف ميشو في التاريخ . و بعد عودتي، كنت في غاية الفرح و أنا أمنح لميشو حصيلة أبحاثي الجغرافية" .

ثانيا : صورة نابلس و سكانها في أعين الرحالة الثلاث

ذكرنا فيما مضى بأن حديث الرحالة الثلاث عن نابلس و عن سكانها ورد في رسالة يتضمنها الجزء الخامس من كتاب "مراسلة من الشرق"، و في رسالتين يتضمنهما المجلد الثاني من كتاب "سفر في آسيا الصغرى"، و في نص (معلوماته مكررة) يتضمنه الكتاب الثالث الموسوم ب "حكايات و ذكريات"، و من ثم فإن عرض معالم الصورة التي قدموها عن نابلس و عن سكانها يقتضي منا القيام بعملية تركيب (montage) لعناصر تلك الصورة الموزعة على الرسائل الثلاث.
انطلق ميشو من مدينة القدس في اتجاه مدينة نابلس يوم 5 يونيو من العام 1830 رفقة فرنسي مختص في علم النبات و ترجمان من أهالي فلسطين. و قد سلك موكبه الطريق الرابط بين القدس و نابلس عبر قرية بير (Bir) التي ينعتها بالمناسبة بكونها "باحة" استراحة بالنسبة للمسافرين و للقوافل. و قد قضى فيها و رفيقاه ليلة ثم انطلقوا في الصباح نحو نابلس.
أما باتستان بوجولا، الذي حل بفلسطين ست سنوات بعد ذلك، فقد سلك اتجاها معاكسا، حيث بدأ بزيارة مدينة نابلس ومنها اتجه إلى القدس. و قد وصل إلى نابلس عبر قرية فوله (Fouleh) التي تبعد عنها بحوالي 12 ساعة من المشي. و منها سلك طريقا يتجه من الشمال إلى الجنوب أفضى به إلى جبال سامرة تاركا مدينة جنين في اتجاه اليسار. ثم مر بقرية جبع (Djaba) و اخترق منطقة جرداء صلبة في اتجاه نابلس.

1- محيط مدينة نابلس
تبتدأ الصورة التي ينقلها ميشو عن نابلس بلقطة عن محيطها الطبيعي. حيث يذكر بأن المجال الذي سلكه حتى وصوله إلى قرية بير تغلب عليه القحولة، أما بعد هذه القرية فإن المجال يأخذ في اكتساء شيء من الخضرة بفعل وجود غطاء نباتي تتزايد نظارته و كثافته كلما ابتعد المسافر عن قرية بير في اتجاه جبل سيلو (Silo). و يتألف هذا الغطاء النباتي في جزء منه من مجموعة أشجار و شجيرات تفسح المجال، كلما واصل المسافر اختراق سلسلة المرتفعات، لمجموعة من الفضاءات التي اعتنى الأهالي أشد عناية بإعدادها على شكل مدرجات منتظمة تتدرج من الأسفل إلى أعلى المستويات، خصصوها لمختلف أصناف المزروعات و المغروسات، بينما أقاموا مرافقهم السكنية في أعلى القمم. و تمثل أشجار الزيتون أهم أصناف الأشجار المثمرة التي تنتشر بهده المدرجات.
وقد شدت هذه المدرجات انتباه باتستان بوجولا بدوره؛ حيث عبر عن إعجابه بها. و ثمن، و هو يتحدث عنها جهود الأهالي في تطويع الطبيعة بأدوات معدنية بسيطة.
وأهم انطباع يسجله ميشو و باتستان في وصفهما هو أن نظارة هذه المواقع تطرب النفس وتنسي المسافر تلك الكآبة التي يشعر بها و هو يسلك بعض المناطق القاحلة.
تمثل هذه المرتفعات و الجبال أهم الوحدات الطبيعية في خريطة بلاد سامرة (la Samarie)، و تحتل مدينة نابلس مركز هذه البلاد المتضرسة. التي يلاحظ ميشو بأنه لا وجود فيها لأودية واضحة المعالم على السطح، ومع ذلك فتخترقها سيول عارمة في فصل الشتاء دون أن تبدو في فصل الربيع المجاري التي سلكتها تلك السيول.
يفيدنا كل من ميشو و باتستان بأن الزراعة تمثل أساس حياة الأهالي في هذه المنطقة. و رغم صعوبة تضاريسها و ندرة مياهها، فهم يجتهدون في الحصول على كميات من الحبوب وكميات من الخضراوات و البقول، فضلا عن كميات من القطن و أنواعا من الثمار و أهمها الزيتون. و يسجل ميشو في هذا الشأن بأن المنطقة تجود بمحصول وافر من الزيتون، و لكن السكان لا يحسنون إعداد هذا المنتوج للحصول على كميات عالية الجودة من الزيوت. و كأنه يوحي بذلك بأن أهالي بلاد سامرة ليسوا على دراية كافية بعمليات جني الزيتون وتحضيره لاستخلاص الزيوت، رغم أن جميع سكان أقاليم حوض البحر المتوسط يشتركون عموما في استعمال نفس طرائق الجني و الإعداد ونفس تقنيات استخلاص الزيوت، و أن درايتهم بهذه الطرائق و التقنيات تعود إلى أزمنة غابرة. و مع ذلك فان ميشو يستدرك ملاحظته بالقول بأن الكميات المستخلصة من الزيوت تفوق حاجيات الأهالي، و إن ما يفضل منها يكفي لسد حاجيات سكان دمشق و القدس. و باستثناء الزيوت، فإن السامريين لا يصدرون أي منتوج ، حسب شهادة ميشو، الذي يقر في هذا الشأن بأن بلاد سامرة لا توجد بها منافذ و لا آثار لبقايا مسالك رومانية. و معنى هذا الإقرار بأن البلاد لم تكن تربطها في الماضي، كما في زمن الرحلة، أية علاقات تجارية بالعالم الخارجي.
و يرى ميشو بأنه بقدر ما أعاقت الجبال و المرتفعات عملية الاستثمار الزراعي الأمثل للمجال، و حالت بين بلاد سامرة و العالم الخارجي، فقد منحت السامريين الحماية و شكلت درعا واقيا لهم ضد أي هجوم من قبل القوى المجاورة. ومن ثم، فلم يكن لهم من أعداء سوى الباشوات حسب زعمه.

2- ميشو يطرق أبواب مدينة نابلس
استغرقت رحلة ميشو بين قرية بير و نابلس ما ينيف عن العشر ساعات من المشي. وجد نفسه بعدها عند مدخل المدينة التي حل بها، رفقة عالم النبات و الترجمان، في الصباح الباكر و سلكوا زقاق "البازارات" في اتجاه الخان المخصص للمسافرين. و يقع هذا الخان بمحاذاة المسجد الذي كان، كما يذكر ميشو، كنيسة زمن الحروب الصليبية.
يروي ميشو أنه حل بمدينة نابلس مع بدء رفع آذان الفجر و بداية حركة الجولان في المدينة، فرأى المصلين يتجهون صوب المسجد و رأى مجموعة من النسوة ترتدي كل واحدة منهن كساء يلف جسدها من الرأس إلى أخمص القدمين كن يدرن وجوههن نحو الحائط تفاديا للنظر إلى هؤلاء الأجانب. و بعد برهة أتاه و رفيقاه حارسان، مكلفان بحراسة الباب الذي ولجوا منه المدينة، يريدان استخلاص مبلغ من المال فيما يشبه " مكس دخول المدينة" الذي يؤديه الأجانب. فرفض ميشو و لم يستسلم لوعيدهما، فاضطرا للاكتفاء بطلب بعض القطع النقدية "بقشيش" و انصرفا. و بعد برهة من دخوله المدينة أتاه و رفيقاه حاخام طلب منهم مرافقته إلى الهيكل الكائن بالمدينة، حيث أخرج من إحدى الخزانات نسخة ملفوفة من التوراة مكتوبة بخط عبري أطلعهم عليها دون أن يسمح لهم بلمسها .
و لعل أهم ما يسترعي الانتباه في رواية ميشو هو أن بعض الرجال، ممن ينعتهم بالأتراك، كانوا ينظرون إليه و إلى رفيقه بنوع من الاشمئزاز و هم يتجهون لتأدية الصلاة. و يبدو أن رد فعله تجاههم تمثل في نوع من الشماتة. حيث يذكر أن هؤلاء الرجال يتجهون لأداء الصلاة في مسجد لا يعلمون بأنه كان كنيسة زمن سيطرة المسيحيين على المنطقة، و أن مجمعا دينيا انعقد به آنذاك . بل يزعم أن هؤلاء الرجال كانوا يشتمونهما بقولهم : "ماذا جاء يفعل هؤلاء الكلاب المسيحيون بمدينة نابلس؟". و يخلص إلى القول بأن سلوكهم هذا يفيد بأن المدينة لا عهد لها بمسافرين أوربيين.

3- وصف مدينة نابلس
لم يخص ميشو مدينة نابلس بوصف و هو بداخلها ليكتسي وصفه نوعا من الدينامية و التفاعل مع مكونات المكان، بل قام بذلك و هو يغادرها. حيث توقف في لحظة تأمل عند مشارفها ليفيدنا بأن مدينة نابلس هي مركز إقليم السامرة. تقع في منخفض مخضر إلى الشرق من جبل جرزيم (le Garizim). و نابلس هي المدينة المعروفة قديما بشكيم. استمدت اسمها من اسم نيابول (Néapole) الإغريقية التي تحتل موضعها بالذات. و قد استبدل عرب سوريا اسم نيابولس باسم نابلس.
تقع مدينة نابلس بين جبل سامرة (Morio Samaritain) و جبل عيبال (Hèbal). و لا تمثل بالنظر إلى امتداد أسوارها و عدد سكانها إلا النصف بالنسبة لمدينة القدس. تحيط بها أسوار غير مرتفعة، ولا تتصل بهذه الأسوار أبراج أو أخاديد. و يمكن الإحاطة بها في حوالي 25 دقيقة . و بما أن جبل جرزيم يحاصرها أكثر من محاصرة جبل الزيتون لمدينة القدس، فإنها لا تصمد أمام أية ضربة تتلقاها بواسطة السلاح الناري؛ بحيث إن قطعة مدفعية كافية بعد ثلاث طلقات من تدمير أبوابها الخشبية.
يبدو السفح الشرقي لجبل جرزيم عاريا من أي غطاء نباتي، أما سفحه الغربي فتغطيه أشجار تتصل بالغابة القيصرية (la foret Césarée)، و هي أشجار غير منتظمة وغير شاهقة كأشجار غابة طابور (Thabor).
يسجل ميشو بأن صوامع مدينة نابلس و منشآتها المكسوة بلون أبيض ساطع تمنح إحساسا شاعريا، كما أن أشجار الزيتون التي تحيط بها كالحزام تمنحها منظرا أخاذا. و لكن المدينة في حد ذاتها حزينة و صامتة كباقي مدن المشرق. و يعبر باتستان هو الآخر عن نفس الإحساس. و يذكر أن الربوة التي يتواجد فوقها قطعة فريدة من نوعها ، لم يخلق الله مثيلا لها في بلاد المشرق. فهي تتيح إمكانية الإشراف على كل جهات المدينة التي تبدو من على تلك الربوة في غاية الروعة و البهاء. و يؤكد بدوره الحقيقة التي ذهب إليها ميشو، و هي أن مدينة نابلس مجرد حاضرة فقيرة و كئيبة و لا حركة فيها و لا ثروة. وقد كانت قبل حملة إبراهيم باشا أكثر مدن فلسطين ازدهارا.

4- إدارة مدينة نابلس
يفيدنا كل من ميشو و باتستان بأن تدبير الشأن العام في مدينة نابلس و القرى التابعة لها يشرف عليه "المتسلم" المدعو سليمان عبد العاصي، "إحدى صنائع محمد علي"، الذي يحمل لقب "الأمير". و يدير مجموع بلاد السامرة على هيأة إقطاعة على غرار "الأمير" بشير في لبنان. يقيم في مدينة نابلس و يعمل تحت إمرته مساعدون و أعوان يجوبون البلاد و يجبون ضريبة "الميري" (le miri).
و يوضح باتستان بوجولا، الذي خص هذا الجانب ببضعة أسطر، بأن قرى و حواضر بلاد السامرة كانت خاضعة قبل عهد إبراهيم باشا لزعامات محلية تابعة للدولة العثمانية. و لم تكن سلطة هذه الزعامات مطلقة. فقد كان الأهالي يعيشون فيما يشبه حالة فصالة (en vasselage) شبيهة بالحالة التي كان يعيشها سكان القرى في غرب أوربا خلال العصر الوسيط. ورغم ذلك، فقد كان التوتر يشوب على الدوام علاقة السامريين، عامة و النابلسيين بوجه خاص، بممثلي السلطة العثمانية الذين تعاقبوا على إدارة سوريا و فلسطين. و اشتدت حالة التوتر أكثر خلال سيطرة المصريين على سوريا و فلسطين، حيث انتفض الأهالي في أكثر من مناسبة و دفعوا ثمنا باهظا نظير موقفهم هذا. و لعل أهم الانتفاضات تلك التي حدثت سنة 1834 وتحولت إلى ثورة عارمة. ولذلك خصها باتستان بوجولا ببضع صفحات تستحق أن نلخص مضمونها في بضعة أسطر.
يفيدنا باتستان بوجولا بخصوص هذه الثورة بأن المصريين أثقلوا كاهل الأهالي بأنواع شتى من الضرائب والمكوس والمغارم بعد سيطرتهم على سوريا وفلسطين. فساءت أحوالهم، و انتشر التذمر في أوساطهم و أصبحوا يتحينون فرصة التخلص من هذا الوضع.
فحدث أن استغل سكان منطقة الخليل و بلاد السامرة و بلاد يهودا فرصة عدم نزع سلاحهم من قبل إبراهيم باشا، فتزعموا الثورة، نيابة عن مجموع سكان فلسطين و سوريا، ضد إبراهيم باشا. و تصدر هذه الثورة النابلسيون بزعامة الشيخ قاسم حكمت الذي قاد جموع الثوار نحو مدينة القدس التي اقتحموها و أفنوا "الثلاثمائة جندي الذين كانوا يؤلفون الحامية العسكرية المرابطة بها" .
فتحرك إبراهيم باشا على التو في اتجاه مدينة القدس على رأس ثلاث فيالق عسكرية، بينما انضم كل من استطاع حمل السلاح من الفلسطينيين إلى معسكر الثوار الذين أصبح عددهم، حسب إفادات باتستان بوجولا، يناهز الأربعين ألف رجل . فضربوا حصارا على مدينة القدس، ابتدأ يوم 8 يونيو و دام حوالي 18 يوما. فاضطر محمد علي إلى التحرك شخصيا على رأس جيش قوي نحو فلسطين لفك الحصار عن القدس و نجدة ابنه. غير أنه ارتأى تجريب أسلوب التفاوض قبل اللجوء إلى القوة. فتوقف تبعا لذلك عند حدود يافا و بادر بإطلاق سراح الزعيم أبي غنوش الذي كان يحظى بنفوذ بين الأهالي. و شرع في التفاوض مع الشيخ قاسم حكمت معلنا قبول جميع مطالبه نظير رفع الحصار عن مدينة القدس. و كان من بين أهم تلك المطالب : تراجع الجيوش المصرية و إصدار عفو شامل في حق الثوار والعدول عن سياسة احتكار التجارة و إلغاء ضريبة "الفردي" المفروضة على أفراد الأسر و خفض الضرائب إلى المستوى الذي كانت عليه خلال عهد عبد الله باشا.
وعاد شيخ النابلسيين من يافا بعد أن تلقى وعودا و تطمينات من محمد علي و إبراهيم باشا. و يسجل باتستان بوجولا في هذا المقام بأن الشيخ اكتفى بالوعود "على عادة الرجال الشرفاء" دون طلب ضمانات مكتوبة.
وهدأت الأوضاع و اطمأنت الأنفس، و لكن لفترة قصيرة استغلها إبراهيم باشا في إعادة بناء قواته. فنكث العهد وعاد إلى فلسطين على رأس جيش قوامه 16 ألف محارب عاثوا في الأرض فسادا.
وكان نصيب نابلس من هذا القصاص أشد، حيث دمر الجند عمرانها و أبادوا أهلها. و إذا صدقنا ما يذهب إليه باتستان بوجولا، فقد فقدت مدينة نابلس منذ اندلاع الثورة إلى اليوم (أي حتى حدود سنة 1837) أكثر من ألفي نسمة. وإن المنازل و المباني لا زالت تحمل آثار قذائف المدفعية المصرية .
ورغم عدم إثارته مجددا لهذا الموضوع في النص الذي خصه "لنابلس و السامريين" في كتابه "حكايات وذكريات سفر إلى الشرق"، فان باتستان بوجولا يذكر بدون تحفظ بأن أهالي بلاد السامرة و مدينة نابلس رزحوا طيلة أعوام تحت عبئ الضرائب و المكوس. و قد كان من الممكن جدا أن يعيشوا في دعة و اطمئنان لولا الطغيان الذي كان مسلطا عليهم تارة من ضفاف البوسفور و تارة من ضفاف النيل .

5- سكان مدينة نابلس
تتضمن رسالة جوزيف- فرانسوا ميشو معطيات رقمية بالغة القيمة تفيد بأن عدد السكان المستقرين خلف أسوار مدينة نابلس يناهز حوالي 9000 نسمة. يمثل اليهود قرابة ثلث عددهم كما هو الشأن في مدينة القدس .
ويفيدنا بأن هؤلاء السكان هم أكثر سكان سوريا حركة وحيوية. وينبهنا بكونه سيستغل هذا المقام ﻹبداء جملة من الملاحظات حول هؤلاء السكان :
فيسجل كأول ملاحظة بأن النابلسيين جبلوا منذ أقدم العصور على حب الحرية على شاكلة قبائل الصحراء، فهم يمقتون العيش تحت أي طوق، شديدي المراس ولا يمكن إخضاعهم إلا بالقوة. و هم على استعداد دائم للثورة عند أول فرصة تتاح لهم للقيام بذلك. و لا يخضعون إلا في انتظار الفرصة التي يثورون فيها. ولا تمثل معاهدة سلام بالنسبة للنابلسيين سوى مجرد هدنة يظلون فيها متأبطين لأسلحتهم وأيديهم على الزناد .
و لتأكيد ما يذكره عن طبيعة هذا المجتمع المشاكس، يدعونا إلى النظر فقط إلى أي فلاح من فلاحي بلاد السامرة : فهو يحمل دائما بندقية طويلة ويضع خنجرا في حزامه و يرتدي قميصا فضفاضا يذكر بالقميص (la saie) الذي كان يرتديه الرجال زمن الرومان.
لقد تعود سكان مدينة نابلس، و سكان بلاد السامرة عموما، التصدي خلف جبال بلادهم لسلطة الباشاوات الأتراك؛ بحيث لم يكن بمقدور باشاوات دمشق، خلال العهد السابق على باشوية إبراهيم، فرض سلطتهم على الأهالي سوى عن طريق إحداث الشقاق بينهم.
ويسجل ميشو كثاني ملاحظة بأن طبيعة المشاكسة التي توقف عند تجلياتها على الصعيد السياسي لها أيضا تجليات على الصعيد الديني و العقدي. فالنابلسيون، حسب إفاداته، لا يمكن إخضاعهم، أو التأثير على معتقداتهم. و يذهب إلى القول بأن التعصب منتشر في أوساطهم. و يذكرنا في هذا الشأن بالزمن الذي كان فيه السيد المسيح يمنع من دخول أية قرية؛ لأن الأهالي كانوا يعرفون من خلال الوجهة التي تأخذها قدماه و خطواته، بأنه ينوي الاتجاه صوب مدينة القدس. و يخلص في هذا الصدد إلى القول بأن بلاد السامرة، عامة و مدينة نابلس بشكل خاص، ينعدم فيها و جود شخص مسيحي أو يهودي أجنبي. و كأنه يذكرنا هنا بما سبق أن قاله بأن سكان مدينة نابلس لا عهد لهم بالأجانب.
ويستغل ميشو هذا الأمر ليفيدنا بأن عدد اليهود الكرايث (les Caraites) المتواجدين خارج المدار الحضري لمدينة نابلس لا يتجاوز 300 أسرة . و هم مستقرين بمختلف القرى و لا زالوا على عادة أسلافهم يرتادون كل سنة أطلال هيكلهم، الذي تم تدميره منذ ألفي سنة، لتقديم القرابين. ولقد سبق لهم في القرن السادس عشر أن راسلوا السيد سكاليجر (Scaliger) لإثارة اهتمامه حول أوضاعهم. كما أنهم راسلوا السيد ساسي (Saci) في نفس الموضوع خلال القرن التاسع عشر. و من غريب الصدف، حسب تعبير ميشو، أن العلم مثل في فترة ما أداة وصل بين بطريق المشارقة و فئة من سكان سوريا. و يضيف موضحا في نفس السياق، بأن العلم الذي يجعلنا نستحضر اليوم هذه الواقعة، لا يقدم لنا شواهد تاريخية عن بلاد السامرة. فالذكريات التي يمكن استحضارها في هذا المقام ضحلة. و يعزو ذلك إلى كون الحروب الصليبية لم تترك هنا آثارا واضحة. و بناء عليه، حسب ميشو، فان قائمة الأعلام الذين يمكن استحضار أسماء بعضهم فارغة ويجب الارتقاء إلى أقدم العصور للوقوف عند اسم اﻹسكندر الذي نجح في إقامة مستعمرة مقدونية ببلاد السامرة بعد أن أجلى عنها أهاليها. و منذ هذا العهد جعل اليهود الكرايث من شكيم، التي هي نابلس الحالية، مدينتهم الروحية .
ولا بأس من الملاحظة هنا أن ميشو لا يخفي تعاطفه مع هذه الطائفة التي سعى مجتهدا أن يكتب لها تاريخا، فتعذر عليه الأمر. و رغم ذلك تمادى في العناد حتى أنه اختصر تاريخ بلاد السامرة، و تاريخ مدينة نابلس، في حقبة زمنية برز فيها دور هذه الطائفة على صعيد أحداث المنطقة.
وعلى غرار رسالة جوزيف- فرانسوا ميشو، فان رسالة باتستان بوجولا تتضمن معطيات رقمية حول عدد سكان مدينة نابلس تفيد بأنها تضم حوالي ستة آلاف مسلم و أربعمائة مسيحي من المنشقين (Schismatiques) و مائتي يهودي أرثوذوكسي و مائة فرد من السامريين .
والملاحظ أنه خص هذه الطائفة دون سواها بعدة صفحات من رسالته. و من جملة ما قاله في حقهم أن أصولهم تعود إلى القرن السابع قبل ميلاد المسيح، و بالتحديد منذ أن استولى شلمنصر ملك الأشوريين على بلاد السامرة. فقد قام بأسر و تهجير عشرة فبائل إلى ضفاف نهر دجلة. و أعاد تعمير بلاد السامرة بمستوطنين استقدمهم من بلاد الميديين (Mèdes). و لم يفتأ أن أنتشر في أوساط هؤلاء طاعون أذهب منهم خلقا كثيرا. و تضرعوا إلى آلهتهم الطينية أن تخفف عنهم البلاء و التمسوا من ملك الأشوريين أن يمنحهم نفرا من العبريين الذين كان يحتجزهم لتقديمهم كقرابين.
ومنذ هذا العهد أطلق رجال الدين "اﻹسرائليون" على الكوثيين تسمية "السامريين" أو "السمريين". و يضيف بأن السامريين هم وحدهم الذين حافظوا على نسخة من التوراة مكتوبة بالخط العبري توجد بالهيكل الكائن بمدينة نابلس .
ويضيف باتستان بوجولا في نفس السياق بأن اليهود كانوا يستعملون جميعهم نفس الخط لكتابة الكتب المقدسة، و لكن خلال فترة ما يعرف بالأسر البابلي استحسن الإسرائيليون الخط الكلداني فتخلوا عن خطهم ليتبنوا خط شعب ضفاف نهر الفرات. و إن السامريين الذين يناصبون اليهود العداء لم يقبلوا قط استعمال هذا الخط الأجنبي.
ويذهب باتستان بوجولا إلى الاعتقاد بأن الخلاف الذي حدث بين القبائل، و الذي أدى إلى انقسامها، يمكن اعتباره دليلا واضحا على أصالة كتب سيدنا موسى. و بما أن السامريين و اليهود أصبحوا يشكلون بعد هذا الانقسام فرقين بينهما عداء متصل ، فان كل فريق كان على استعداد لشجب أي تغيير يدخله أحدهما على كتبهم المقدسة. و يجزم باتستان بوجولا في ذات الوقت بأن لا أحد من رجال الدين أو من رجال العلم المختصين في اللغة العبرية يقر بأن هناك اختلافا جوهريا بين نص التوراة المكتوب بالخط الكلداني و نص السامريين المكتوب بالخط العبري .
وبعد بضعة اسطر خصها باتستان بوجولا للتذكير بمراحل تاريخ السامريين، خلص إلى القول بأن المائة سامري المقيمين بمدينة نابلس، و الخمسون نفرا المقيمين بغزة هم اليوم (أي زمن الرحلة) بقايا طائفة السامريين الأوائل. و إن السامريين المقيمين بنابلس ليست بحوزتهم ممتلكات عقارية . و لا يمارسون أي نشاط زراعي. و ليس لهم من دخل سوى ما تدره عليهم الأنشطة الحرفية التي يزاولونها. و من ثم فهم يعيشون، حسب زعمه، في وضعية مادية صعبة، حتى أن فقرهم أصبح مضرب أمثال في مختلف أنحاء فلسطين . كما أنهم يعيشون منعزلين في أحد أفقر و أقذر أحياء نابلس.
ويزعم أنه شاهد بعضهم. فهم يرتدون قمصانا طويلة سوداء و عمامة حمراء. و حين يرغبون في التوجه إلى هيكلهم يرتدون لباسا أبيضا. و هم عموما متسخين. تميل ملامح أوجههم إلى السمرة، و كل شيء فيهم يبدو غريبا.
ويفيدنا باتستان بوجولا بأن الأنجليزيين حاولوا جاهدين حملهم على اعتناق البروتستانتية، ووعدوهم بمنحهم أموالا طائلة إن هم قاموا بذلك، و لكنهم رفضوا و قاوموا مختلف أشكال الإغراء.


مما لا شك فيه أن المادة التي تتضمنها صفحات الشق الثاني من هذا العرض تسمح بتسليط الضوء على الصورة التي نقلها إلينا الرحالة جوزيف- فرانسوا ميشو و الأخوان بوجولا عن مدينة نابلس و سكانها.
والراجح أنها صورة واقعية، تعكس إلى حد بعيد واقع نابلس و النابلسيين زمن الرحلة. و لا تتضمن عناصر الصورة لمسات شاعرية كثيرة أو انطباعات تجنح نحو الخيال كتلك اللمسات والانطباعات التي تتضمنها مصنفات الأدباء الفرنسيين الذين زاروا بعض مدن فلسطين خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر أمثال شاتوبريان و لامارتين و فلوبير.
وبناء عليه، فإننا نعتقد أن الصورة المنقولة هي صورة عالمة تندرج في إطار الجهود التي شرع مثقفو فرنسا في بذلها منذ مطلع القرن التاسع عشر لبناء معرفة عالمة حول فلسطين. و يتأكد هذا الأمر إذا علمنا بأن العناصر التاريخية و الجغرافية والديموغرافية و السوسيولوجية التي تقوم عليها الصورة التي قدمها الرحالة الثلاث تتطابق مع الحقائق التي تتضمنها كثير من الدراسات و الأبحاث العربية و الأجنبية الحديثة التي تناول أصحابها جوانب من تاريخ و جغرافية ومجتمع فلسطين عامة ونابلس بوجه خاص.
و لكن لا مناص من التأكيد في هذا المقام بأن الرحالة الثلاث اختاروا التركيز على بعض عناصر الصورة التي قدموها لنا عن نابلس و عن سكانها، و نعني هنا تركيزهم على طائفة السامريين التي خصوها بصفحات مطولة دون غيرها من الطوائف و الفئات الاجتماعية. و إذا كانت بعض المبررات المعرفية أو المنهجية تدعوا إلى الاهتمام بالأقليات، فلا شك أن دواع أخرى كانت وراء هذا الاهتمام المبالغ فيه بطائفة لا يتجاوز الأفراد المكونين لها مائة نفر.
ومهما يكن من أمر، فلا باس أن نسجل بأن جوزيف-فرانسوا ميشو و جون جوزيف-فرانسوا بوجولا و باتستان بوجولا تجشموا عناء السفر، و كابدوا المشاق، و أنفقوا الأموال لينقلوا لأجيال ما بعد القرن التاسع عشر، ومن بينها الأجيال العربية، مشاهداتهم عن مدن و قرى فلسطينية زاروها و عاينوا أحوال سكانها عن كثب، و من بينها مدينة نابلس و القرى الواقعة في محيطها. فوفروا بذلك للقارئ عامة، و للباحث بوجه خاص، مادة ذات قيمة بالغة لا مناص من اعتمادها في أي بحث يروم إثارة بعض الجوانب التي تهم مدينة نابلس أو سكان نابلس خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.











[right]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مدينة نابلس وسكانها في أعين الرحالة فرانسوا ميشو والأخوين بوجولا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المقتطف المصري ملتقى شباب المؤرخين العرب :: منتديات تاريخ العرب الحديث والمعاصر :: منتدى تاريخ الدولة الفلسطينية الحديث-
انتقل الى: